Retour

Explorez tous les épisodes du podcast العلوم الحقيقية - Real Sciences

Plongez dans la liste complète des épisodes de العلوم الحقيقية - Real Sciences. Chaque épisode est catalogué accompagné de descriptions détaillées, ce qui facilite la recherche et l'exploration de sujets spécifiques. Suivez tous les épisodes de votre podcast préféré et ne manquez aucun contenu pertinent.

Rows per page:

1–39 of 39

TitreDateDurée
الفرق بين الحاسوب الكمي والحاسوب التقليدي؟ مع د. محمد فاروق07 Sep 202600:50:46
حلقة جديدة من بودكاست العلوم الحقيقية مع زميلنا في العلوم الحقيقية د. محمد فاروق الذي ناقش رسالته مؤخراً في تطبيقات عديدة للحوسبة الكمية يشرح فيها عن مجال الحوسبة الكمية والقضايا التي يتم حلها والعمل عليها حالياً في المجال. ناقشنا بشكل عام اسئلة مثل: ما هو الفرق بين الحاسوب الكمي والحاسوب الاعتيادي؟ كيف يبدو شكل الحاسوب الكمي وكيف يعمل؟ ما المشاكل التي يتم حلها بالحاسوب الكمي؟ هل سيصبح الحاسوب الكمي حاسوبا شخصيا يوما ما؟ كيف يتم تقديم المدخلات للحاسوب الكمي؟
الترابط الزوجي لدى البشر في الطب النفسي التطوري د. رياض عبد31 Aug 202600:50:46
فيما يلي الخصائص والملامح الأساسية للبحث والمناقشة التي دارت في بودكاست العلوم الحقيقية حول موضوع الترابط الزوجي والأمراض النفسية من منظور تطوري: رؤية علم النفس والطب النفسي التطوري يدور محور الحديث حول بحث علمي نشره الدكتور رياض عبد بالتعاون مع زميل له، يهدف إلى تسليط الضوء على المنظومات التكاثرية للبشر من منظور دارويني. يتطرق الطرح إلى أن العملية التطورية تهدف بالأساس إلى خدمة التكاثر والبقاء، ومن ثم فإن فهم المنظومة التكاثرية للبشر يساعد في فهم الاضطرابات والأمراض النفسية التي قد يتعرض لها الإنسان عندما يحدث خلل في هذه المنظومات البيولوجية والنفسية. ما الذي يميز الترابط الزوجي البشري عن القردة العظيمة؟ تختلف المنظومة التكاثرية للبشر عن بقية القردة العظيمة مثل الشمبانزي والغوريلا بشكل جذري؛ والسبب الرئيس يكمن في وجود الترابط الزوجي (Pair-bonding)، وهو ترابط طويل الأمد بين الذكر والأنثى يرافقه استثمار وجهد حقيقي من الأب نحو الأطفال والأنثى. في المقابل، فإن دور الأب معدوم تماماً لدى الشمبانزي بسبب العشوائية والمشاعية الجنسية، بينما يوفر ذكر الغوريلا الحماية لمجموعته فقط دون تقديم رعاية أو غذائ مباشر للأطفال. أسباب التطور التكيفي ودور الأبوة لدى الإنسان يحتاج الطفل البشري إلى كمية هائلة من السعرات الحرارية والموارد لضمان نموه، وهي مهمة تتجاوز قدرة الأم بمفردها في البيئات البدائية. كما يمتلك الإنسان أطول فترة طفولة واعتماد غذائي مقارنة بكافة الكائنات الحية، حيث يستغرق الطفل في مجتمعات الصيادين وجامعي الثمار ما بين 16 إلى 17 سنة للوصول إلى الاستقلال الغذائي. هذا الوضع أدى إلى نشوء تغيرات فسلجية وهرمونية لدى الآباء؛ حيث تنخفض مستويات التستوستيرون لدى الرجل بعد الإنجاب وتكبر بعض أجزاء الدماغ لديه لتكييفه وتقليل سلوكياته العدوانية والتنافسية، مما يجعله مهيئاً لتقديم الرعاية وتوفير الغذاء. الترابط الزوجي والظواهر الثقافية على عكس ما يروج له في بعض الطروحات، لا يوجد أي مجتمع بشري درسه الأنثروبولوجيون يمارس نظاماً مشاعياً شبيهاً بالشمبانزي. ورغم وجود أنماط علاقات قصيرة الأمد وأخرى طويلة الأمد في مختلف الثقافات، فإن العلاقات طويلة الأمد تشكل الصلب الأساسي للنظام التكاثري البشري، إذ تشير الدراسات إلى أن ما بين 95% إلى 99% من الأطفال يولدون ضمن علاقات ترابط زوجي معروفة الأب. نشوء الاضطرابات النفسية والغيرة المرضية عندما تعمل المنظومات النفسية والبيولوجية التي نشأت بفعل الانتخاب الطبيعي بشكل مضطرب، تظهر الأمراض النفسية. ولتوضيح ذلك، تعتبر الغيرة الجنسية صفة بشرية تطورت لحماية الاستثمار والفوائد المتبادلة في العلاقة الزوجية وضمان نسب الأطفال. لكن عندما تنحرف هذه الصفة عن مسارها الطبيعي، تتحول إلى غيرة مرضية (Morbid jealousy)؛ وهي قناعة وهمية غير قابلة للتزحزح بالخيانة، وتعد مسؤولة عن نسبة كبيرة من جرائم قتل الأزواج في بعض المجتمعات. مثل هذه الحالة لا وجود لها لدى الشمبانزي لعدم وجود أي استثمار أبوي من الأساس. رابط البحث: https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC13519274/ الرابط في موقع العلوم الحقيقية: https://real-sciences.com/?p=267922
المساواة التكاثرية (2): أثرها على الأمراض النفسية وأثر ظهور الدولة والنزعة الذكورية التسلطية عليها27 Oct 202500:46:22
كيف أثر ظهور الدول على صفات البشر وعلى تغير أمر مثل المساواة التكاثرية؟ وكيف أثرت القدرة على تخزين المواد على نشوء الدول؟ ثم كيف ظهرت النزعة الذكورية التسلطية بأشكال متطرفة جداً بعد الزراعة؟ والسؤال الأهم الذي يناقشه الدكتور رياض عبد في بحثه حول المساواة التكاثرية: كيف تؤثر المساواة التكاثرية على ظهور الأمراض النفسية لدى المجاميع البشرية؟ لمشاهدة اللقاء على اليوتيوب: عمر: في كتاب أقرأه حالياً بعنوان "لعنة جالوت" (Goliath’s Curse) يتحدث عن أن 5% فقط من البشر عاشوا ضمن دول، وحتى في فترات حديثة عاش البشر بدون دول. كما أن الكتاب يذكر أهمية فائض الإنتاج والموارد القابلة للتخزين في تطور المجتمعات، مشيراً إلى أن بعض المنتجات مثل الموز كانت غير قابلة للتخزين حتى في بعض الإمبراطوريات. سؤالي هو: كمحصلة، هل أصبح تعدد الزوجات أقل أم أكثر بعد الزراعة؟ د. رياض: مرت البشرية بفترات مختلفة. كانت هناك حقبة ما بعد الزراعة لكن قبل الدولة، حيث ظهرت إمكانية هيمنة بعض الرجال على موارد كبيرة وأصبح بإمكانهم احتكار عدد كبير من النساء، وهو ما لم يكن ممكناً قبل الزراعة. ثم بعد نشوء الدولة، حصلت مرحلة أخرى من ظهور رجال استطاعوا الهيمنة على موارد ضخمة. شكراً على إثارة موضوع التخزين، لأنه من خصائص مجتمعات ما قبل الزراعة أنها لم تكن تمتلك أنظمة تخزين. ما كانوا يجمعونه اليوم كانوا يستهلكونه خلال يوم أو يومين. إذا تم اصطياد فريسة كبيرة، كانت تؤكل خلال أيام قليلة. من هنا تظهر القيمة التطورية للكرم، حيث كان أهم طريقة للاستفادة من فائض اللحم هو إطعام الآخرين، لأن "بطون الآخرين" كانت بمثابة بنك للتوفير، حيث سيطعمونك عندما لا يكون لديك موارد من اللحم. إذا لم يفعلوا ذلك، فإن اللحم سيتلف دون فائدة. بعد ظهور الزراعة ونشوء الدولة، حصلت فترات كان فيها تمادي في الهيمنة على الموارد واحتكار النساء. لكن يبدو أن هذه كانت مراحل مؤقتة، وعاد النظام البشري إلى طبيعته، وهي أن الغالبية العظمى من الرجال والنساء موجودون في علاقات أحادية – وليس بالضرورة أن تكون مدى الحياة – لكنها علاقات أحادية في أي وقت من الأوقات. إذا أجرينا مسحاً لأي مجتمع، نجد أن حوالي 80% من الأفراد في علاقات أحادية. هذا يعني أن التباين التكاثري، رغم اختلافه في بعض الحقب، بقي أقل منه عند الشمبانزي أو الغوريلا، حتى مع وجود تلك الظواهر الاستثنائية. عمر: نقطة أخرى قد لا تكون غطيتها بشكل كاف، وهي العلاقة بين المساواة التكاثرية والمساواة المجتمعية. إذا كان هناك ناشط لحقوق الرجل أو المرأة عند الشمبانزي، فكيف سيرون واقعهم بالمقارنة مع البشر؟ د. رياض: هناك موضوعان هنا: موضوع الخصائص الجوهرية للنظام التكاثري البشري، وموضوع الوضع المجتمعي بعد الزراعة وبعد الدولة. الخصائص الجوهرية للنظام التكاثري البشري تتسم بمساواة عالية، وتعتمد على وجود رابط بين المرأة والرجل، حيث يستثمر الرجل وقته وإمكانياته في إعالة المرأة المرتبطة به وأطفالها. هذا يعني أنه يهتم بمعرفة "أبوة" أطفاله، أي في التأكد بأنهم من نسله. هذا المفهوم – الاهتمام بالنسب – غير موجود في الأصناف التي لا يوجد فيها رابط ثابت بين الذكر والأنثى. على سبيل المثال، ذكر الشمبانزي قد يشاهد الأنثى التي تزاوج معها قبل ساعة تتزاوج مع ذكر آخر، وهو لا يمانع ذلك. المسألة ليست أنه يتوقع أن يحتكر التزاوج مع أي أنثى، بل هو فقط يحاول أن يحتكر فترة زمنية من فرص التزاوج، أو أن يكون الأول في التزاوج. لكن ليس له أي رابط أو مسؤولية تجاه الوليد، فهو لا علاقة له به. هذا ليس الحال عند البشر. عندما يكون هناك رابط بين رجل وامرأة – والزواج هو ظاهرة بشرية عامة في كافة المجتمعات، رغم اختلاف أشكاله – فإن هذا يولد عاطفة "الغيرة الجنسية". الغيرة الجنسية هي عاطفة بشرية هدفها الأساسي التأكد من أن الطفل من نسل الرجل. يمكن أن تكون الغيرة من الطرفين، لكن هدفها مختلف. هدف غيرة الرجل الجنسية هو التأكد من أن الأطفال من نسله. بينما هدف غيرة المرأة هو ضمان أن جهود وإمكانيات الرجل تتركز في مصلحتها ومصلحة أطفالها، وليس لمصلحة امرأة أخرى. في بعض المجتمعات التي يقبل فيها تعدد الزوجات، قد ترضى المرأة بالأمر الواقع أو تنفصل. بعد نشوء الزراعة والدولة، ومع إمكانية هيمنة بعض الرجال على موارد ضخمة، ظهرت "ذكورية مفرطة" وتسلط ذكوري. هذه الذكورية المتطرفة – مثل فرض قيود على حريات المرأة – هي ظاهرة ما بعد الزراعة وليست سابقة لها. هذه الممارسات تسلطية تدعمها سلطة الدولة والقانون. قبل الزراعة، لم تكن مثل هذه الهيمنة المفرطة ممكنة. عندما أتحدث عن الزراعة، فأنا أقصد أيضاً تربية الحيوانات، فبدو الرعي هم أيضاً من مجتمعات ما بعد الزراعة لأن حياتهم تعتمد على تربية المواشي، أي تسخير كائن آخر لتوفير الغذاء للإنسان. عمر: يعني بالحديث عن النزعة الذكورية التسلطية، يمكننا القول إن شخصاً مثل صدام حسين أو ستالين يتفوق في تسلطه على أي حيوان، لأنه لم يتسلط فقط على نساء مجموعة، بل على الرجال وعلى رقاب الناس وكان لديه سجون. د. رياض: هذه من خصائص الدولة. يمكن القول إن الدولة نشأت من هيمنة نخبة على الأغلبية، وهذا ما لم يكن ممكناً قبل الزراعة. قبل الزراعة، لم تكن هناك إمكانية لبناء دولة، لأن الهيمنة تتطلب أن تتمكن النخبة من السيطرة على الموارد أولاً. الدولة لا تبنى على فراغ. فوجود جيش أو كهنوت يحتاج إلى مكافآت ونظام للثواب والعقاب، وهذا بدوره يحتاج إلى موارد. قبل الزراعة، لم يكن بمقدور شخص واحد أن يهيمن على موارد تمكنه من منح ثواب للآخرين كي يطيعوا أوامره. يمكن أن يكون كريماً، لكن كرمه سيكون محدود المدى لأنه لا يملك موارد غير محدودة. بينما بعد الزراعة، أصبحت الفوارق في الموارد كبيرة نسبياً. عمر: يعني دكتور، ألخص كلامكم بأن المساواة بين الجنسين هي جزء من صورة المساواة بشكل عام. فإذا كانت هناك سلطة دكتاتورية في بلد ما، كما في حالة فرانكو في إسبانيا، نجد أنه فرض قيوداً على النساء أيضاً. وبالتالي، إذا زادت المساواة بشكل عام، فستنعكس إيجاباً على المساواة بين الرجل والمرأة. هل ممكن قول ذلك؟ د. رياض: هذه تفريعات مما حصل بعد نشوء الدولة. بعد نشوء الدولة حصلت تغيرات كثيرة، لكن هذا لم يؤثر على السياق العام لموضوع التكاثر البشري. السياق العام يبقى أن منظومة التكاثر البشري هي منظومة مساواتية، لأن كلفة وصعوبة تربية طفل بشري واحد من الولادة إلى الاستقلال كبيرة جداً، وهي أكثر مما تستطيع امرأة واحدة تحمله بمفردها. الشمبانزي الأنثى أو الغوريلا الأنثى تربي طفلها من الولادة بمفردها دون أي مشكلة، لأن الكلفة الغذائية وغيرها منخفضة ومتوفرة وليست صعبة المنال. بالنسبة للغوريلا، طعامها هو أوراق الأشجار المتوفرة في كل مكان. لكن عند البشر، الكلفة عالية جداً من ناحية الجهد المطلوب. عمر: دكتور، ذكرتم النقد وذكرتم تقسيم العمل بين الجنسين. نأتي إلى فترة ما بعد النقد والزراعة، أي القرن التاسع عشر مع ظهور الآلات ومن ثم التكنولوجيا. بطبيعة الحال، التوزيع الجنسي للعمل تغير بفعل التكنولوجيا والأدوار في المجتمع، ناهيك عن أن تنوع المجتمع من حيث الخصائص أصبح أكبر. هل يمكن أن نقول إن أموراً مثل هذه يمكن أن تزيد من المساواة التكاثرية بين البشر مع ظهور الآلات والتكنولوجيا؟ د. رياض: طبعاً، ما بعد الثورة الصناعية والتحضر وانتشار المدن – حيث يعيش الآن غالبية البشر في المدن، وهو شيء غير مسبوق – هذا الاتجاه يتوافق في رأيي مع الطبيعة البشرية الأساسية. أعني الطبيعة البشرية كما نعرفها من عصور ما قبل الزراعة، حيث كانت الفوارق الحقوقية بين الرجل والمرأة قليلة وليست كثيرة. هذه الفوارق زادت جداً بعد ظهور الزراعة، وزادت أكثر بكثير بعد ظهور الدولة. دعني أتحدث قليلاً عن تبعات هذه النظرية على الطب النفسي. هذه مجدداً افتراضات من عندي، وإيجاد أدلة عليها سيكون صعباً جداً. لكنني أفترض أنه بسبب المساواة العالية والتباين المنخفض في النجاح التكاثري، ولأن السمات السلوكية تنتقل إلى الأجيال الأخرى عند البشر بشكل أكبر من الأصناف الأخرى، فإن هذا يؤدي إلى تباين أكبر في السمات الشخصية. أفترض أن هذا يجعل البشر أكثر عرضة من الأصناف الأخرى من الحيوانات للأمراض النفسية. لماذا؟ لأنه عندما يزيد مدى التباين في السمات (مما يمكن تمثيله بمنحنى الجرس الإحصائي). الأفراد الموجودون في هذه الأطراف المتطرفة هم الأكثر عرضة للإصابة بحالات نفسية غير متكيفة مع البيئة المحيطة. بمعنى آخر، الحالات التي تواجه صعوبة في التكيف ستزداد بسبب كون التوزيع الإحصائي للسمات الشخصية أعرض عند الإنسان مقارنة بالحيوانات الأخرى التي لديها نظام تباين مختلف. هذا الافتراض يشكل جوهر النظرية التي أحاول إثباتها، وهو مهم جداً لفهم سؤال جوهري: هل البشر معرضون للأمراض النفسية أكثر من غيرهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟ هذه النظرية تقدم إطاراً للإجابة على هذا السؤال، أو على الأقل تقدم جزءاً من الجواب. من الواضح أن هناك العديد من الأمراض العقلية والنفسية، مثل الفصام أو التوحد أو اضطرابات الطعام أو اضطرابات الشخصية أو الإدمان، التي لا نجد ما يعادلها بوضوح في الحيوانات الأخرى. حتى القلق والاكتئاب، رغم وجود سلوكيات قد تشبههما عند الحيوانات، فإنه من المشكوك فيه أن تكون متماثلة تماماً مع ما يعانيه البشر. فالسؤال "لماذا؟" يبقى قائماً، وهذه النظرية تقدم مدخلاً لدراسة هذه المعضلة المتعلقة بالطبيعة البشرية الفريدة. عمر: دكتور، قد يتساءل البعض عن إمكانية دراسة هذه الفرضيات من خلال مقارنة المجتمعات ذات التباين التكاثري المرتفع والمنخفض. على سبيل المثال، مقارنة قبائل صغيرة لا تمارس تعدد الزوجات مع مدن أوروبية كبيرة. فهل توصلتم أو حاولتم البحث في هذا الاتجاه؟ د. رياض: مقارنة مجتمعات بشرية صغيرة بمجتمعات كبيرة الحجم موضوع شاق. المجتمعات الصغيرة لا توفر عينة كافية لرصد حالات الأمراض النفسية النادرة، مثل الفصام الذي تبلغ نسبته حوالي 1% أو أقل. وهكذا الحال مع حالات الانتحار - فمثلاً في بريطانيا تحدث 10 حالات انتحار لكل 100,000 شخص سنوياً، وفي العراق 2-3 حالة انتحار لكل 100,000 نسمة - دراسة مجتمعات صغيرة بعدد 200-500 أو حتى 1000 شخص لا يمكن أن تعطي نتائج ذات دلالة إحصائية في حالات نادرة كهذه. مع ذلك، من الممكن نظرياً دراسة الفروق في السمات الشخصية في مجتمعات ذات تعدد زوجات عالٍ مقارنة بمجتمعات ذات علاقات أحادية (حيث أكثر من 80% من العلاقات أحادية). نظريتي تتوقع أن المجتمعات ذات نسبة عالية من تعدد الزوجات ونسبة عالية من الرجال الذين لا ينجبون - لأنه إذا احتكر رجل واحد عدداً كبيراً من النساء، فسيكون هناك رجال بدون زواج - سيكون لديها تباين تكاثري مرتفع، وبالتالي تباين أقل في السمات الشخصية والسيكولوجية. لكن هذا يتطلب أن يكون نظام تعدد الزوجات مستمراً لأجيال عديدة وليس لجيل أو جيلين فقط، حتى يكون له تأثير على "المجمع الجيني" (Gene Pool). من الناحية النظرية ممكن إجراء دراسة كهذه إذا وُجد مجتمع كهذا، لكنه صعب عملياً. ربما في المستقبل، مع تقدمنا في فهم الجينات وربطها بالسمات السلوكية، يمكن اختبار هذه الفرضيات. الاختلاف الشكلي بين الجنسين عمر: سؤال آخر: من خلال الدراسة، هل صحيح أن التشابه الشكلي بين الرجل والمرأة عند البشر أكبر منه في الكائنات الأخرى؟ وهل البشر هم الأكثر تشابهاً من هذه الناحية؟ وما هي ميزات هذا التشابه؟ د. رياض: نعم، هذا صحيح. هناك مفهوم تقني يسمى "الاختلاف الشكلي بين الجنسين" (Sexual Dimorphism). عند مقارنة البشر مع القردة العليا الأقرب لنا، نجد أن الاختلاف في الحجم والهيكل بين الذكر والأنثى عند البشر أقل وضوحاً. يُقاس "الاختلاف الشكلي بين الجنسين" (Sexual Dimorphism) عادة بمقارنة متوسط وزن وقامة الذكور بمتوسط وزن وقامة الإناث. إذا فحصنا ذكر الغوريلا المهيمن (Silverback)، نجد أن حجمه ووزنه وطوله تبلغ اكثر من ضعف حجم الأنثى، لدرجة أن المرء قد يظن أنهم ينتمون إلى فصائل م
الحياة في الكون (2): لغز الحياة بين الفيزياء والأحياء23 Oct 202500:40:46
ذكرتم ان المريخ كان يصلح للحياة قبل مليار سنة او نحو مليار سنة، لكن هل كانت هناك حياة ام لا حسب الادلة التي جمعت من خلال جميع الرحلات التي ذهبت الى المريخ؟ (للقراءة او المشاهدة او الاستماع للجزء الأول يمكن مراجعة الرابط) حتى الان لم يكن هناك بحوث كافية او ادلة كافية للإجابة عن هذا السؤال. قضية وجود الحياة هي قضية معقدة ايضا. عندما نتحدث عن الحياة على المريخ، فهل هي حياة بدائية جدا على مستوى الخلايا، ام هل وجدت مستحاثات بسيطة تدل عليها؟ هذا ما اقوله: لا توجد مستحاثات. تذكر انه على الارض، حتى تجد مستحاثات معينة، يجب ان تفحص الارض وتعرف اين تذهب، فهي ليست موجودة في كل مكان. بعدما وصلنا الى هذه المرحلة، لكن في الاسبوع الماضي، قبل ايام، كان هناك خبر انهم وجدوا اثار حياة على المريخ او ادلة اولية لآثار حياة. فهل هي اثار حياة ام ظاهرة طبيعية لا علاقة لها بالحياة؟ هذا يحتاج وقتا لدراسته. هذا هو سبب تركيز وكالات الفضاء العالمية، الامريكية والاوروبية والصينية والهندية واليابانية. اقصده، لاحظ انني لا اذكر الشرق الأوسط، فنحن خارج هذه اللعبة. تركيزها على المريخ، فيجب دراسة المريخ اكثر وبشكل ادق حتى اذا وجدت عليه حياة، نقدم شيئا اخر للناس الذين يأتون اليه على الاقل. عندما كان كلينتون رئيسا لأمريكا، تم اكتشاف صخرة او الاعلان عن اكتشاف اثار ما يشبه الدودة، الدودة الصغيرة في قلب صخرة مصدرها المريخ. المريخ بين فترة واخرى تصل صخور منه – نادرا لكنها تصلنا. كيف تصلنا؟ اذا سقط على المريخ نيزك، فتنطلق منه صخور الى الفضاء وجزء صغير منها جدا يصلنا، أي يصل الارض. فهناك عدة صخور لا نعرف مصدرها من المريخ، ففي واحدة من هذه الصخور وجدوا حياة مجهرية تشبه الدود. وفي ذلك الوقت كان الاقتراح ان هذه ظاهرة حياة. بعد الدراسات هناك خلاف على هذا الموضوع، على الاغلب ان هذه ليست كائنات حية وانما ظاهرة طبيعية لا علاقة لها بالحياة. فحتى نتأكد من ان ما تفحصه او ما ترصده هو مصدر حياة سابقة، فالقصة طويلة، وليست سهلة، خاصة لأننا لا نتحدث عن كائنات كبيرة تحتوي على هيكل عظمي وما الى ذلك. نحن نتحدث عن بكتيريا، وكائنات وحيدة الخلية وما الى ذلك التي لا تحتوي على بناء مورفولوجي معين من حيث الشكل والمظهر، فلا يمكنك ان تقول ان هذه حياة وانتهى الامر. فالأمر اعقد مما نتصوره. لكن هناك بحوث وجهود حثيثة للبحث في وجود هذه الامور، لأنه مهم اذا عرفنا اصل الحياة على الارض من نشأة وما الى ذلك. رابط شراء كتاب عوالم لا حصر لها من موقع نيل وفرات دكتور، كنت ارغب في سؤال ربما غطيتموه تقريبا، وهو الحياة كظاهرة طبيعية. لكن ما معنى ذلك؟ وايضا اود الانتقال لأمر اخر قرأته ويجذب اهتمامي، وهو النظرة الفيزيائية المحضة للحياة. مثلا قضايا مثل التخلص من الانتروبيا عبر التكاثر، والاساس الفيزيائي للحياة. ولا ادري ان كان هذا يتصل مع مفهوم الحياة كظاهرة طبيعية او مع امر اخر ايضا ذكرتموه ربما في سياق مقارب، وهو مشكلة ضبط الثوابت الدقيقة (the fine-tuning problem). فهذه كلها قضايا اراها مثيرة للاهتمام، واكيد انتم اعلم بكيف يمكن تغطيتها وان كانت متصلة ام لا. دعني أبدأ من النقطة الأولى لأتوسع في فكرة قلتُها: "الحياة ظاهرة طبيعية". أولاً، عندما نذهب إلى الطبيب سواء كنا مرضى أم لا، فإن الطبيب يتعامل مع الجسد في النهاية على أنه مادة كيميائية، أقصد تفاعلاتٍ كيميائية. فحياتنا مبنية على هذا الأساس. عندما نصاب بالصداع نتناول الأسبرين لأنه يحدث تفاعلٌ كيميائي يوقف الصداع. وإذا كان ضغطنا مرتفعاً نتناول مادة كيميائية تخفض ضغط الدم، وهكذا. هذا هو المبدأ الأساسي في الطب، فهو يتعامل مع الجسد كآلة، كشيء طبيعي، لا يتعامل معه على أنه روح فحسب، بل يتعامل معه كجهاز يعمل، وأحياناً يتعطل، وأحياناً يزداد الحمل عليه، وأحياناً تختل مواده. هذا بالطبع على المستوى الأولي. بالإضافة إلى ذلك، إذا نظرنا إلى تاريخ الحياة، نجد أن الحياة كما ذكرت ظهرت مبكراً جداً. فعمر الأرض يقدر بـ 4.5 مليار سنة، وفي اللحظات الأولى من أول 500 مليون سنة كانت الأرض ساخنة، وشهدت أحداثاً دراماتيكية مذهلة. على سبيل المثال، في بدايتها وخلال أول 10 إلى 20 مليون سنة، اصطدم بها جسمٌ كبير – أقصد أن هذا الاصطدام أدى عملياً إلى تشطير الأرض، فانفصل عنها جزء كبير تحول إلى القمر. فالقمر في تاريخه جزء من الأرض، ونعلم هذا من تركيبه الكيميائي وكذلك من حجمه. فالقمر كبير بشكل ملحوظ، أقصد كبير نسبياً مقارنة بحجم الأرض. فهناك أقمار أخرى تكون أصغر حجماً مقارنة بكواكبها، لكن المشتري كبير جداً – أكبر من الأرض بألف مرة – بينما يعتبر القمر بالنسبة للأرض جسماً كبيراً بشكل غير عادي. والسبب في وجوده هو تلك العملية الاصطدامية التي يبدو أنها حدثت في بداية تكوين الأرض. لذا لم يكن من الممكن وجود حياة في تلك الفترة المبكرة. من الخصائص الأخرى للأرض المبكرة أنها لم تكن تحتوي على ماء. فالماء لم ينشأ مع الأرض، ونحن نعرف لماذا؟ لأنه أثناء عملية النشوء كانت الحرارة مرتفعة جداً ونحن قريبون من الشمس، فكان الماء يتبخر قبل تكون الأرض. فالماء الموجود – أقصد في المنطقة القريبة من الشمس – كان سيكون في حالة تبخر، بينما في المناطق البعيدة يكون متجمداً. هذه المنطقة تسمى "خط الجليد"، وبالنسبة للشمس فإن هذا الخط يقع بعيداً عنها، أما نحن فكنا في الداخل حيث لا وجود للماء بشكل طبيعي. لذلك عندما تشكلت الأرض لم يكن عليها ماء. كان على الماء أن يأتي من مكان آخر، ونحن نعلم تقريباً – بل نحن شبه متأكدين – من مصدر هذا الماء: لقد جاء من النيازك. في مرحلة محددة من تاريخ الأرض، حدثت تصادمات هائلة مع نيازك جلبت المياه إليها. استمرت هذه المرحلة بضع مئات من ملايين السنين، وتُعرف بالإنجليزية باسم "Late Heavy Bombardment"، أي القصف المتأخر، حيث تعرضت الأرض لاصطدامات نيزكية مكثفة. كانت هناك فرضية أخرى تشير إلى أن المياه قد تكون جاءت عبر المذنبات، لكن المعرفة الحالية تؤكد أن مصدرها الأساسي هو النيازك، وذلك due to اختلاف التركيب الكيميائي للماء - لأسباب علمية لا يتسع المجال لشرحها هنا. عندما بردت الأرض - بعد حوالي أربعمائة إلى خمسمائة مليون سنة من توقف تلك الظروف العنيفة والاصطدامات واستقرار الوضع - نشأت الحياة. فأول دليل على وجود الحياة يعود إلى 3.7 مليار سنة، بينما يعتقد الكثيرون أن أشكال الحياة الأولى ظهرت قبل أربعة مليارات سنة. في اللحظة التي أتيحت فيها للأرض فرصة لنشوء الحياة، ظهرت الحياة عليها. وهذا أمر مدهش حقاً. ما يعنيه هذا أن تكوّن الحياة ليس أمراً صعباً، بل هو ليس معقداً بشكل جنوني. سأعطيك سبباً آخر لقولي هذا: عندما ننظر إلى مركبات الحياة الأساسية، نجد بالطبع عناصر مثل الكربون والهيدروجين والنيتروجين وغيرها كما ذكرنا، لكن هناك أيضاً مركبات كيميائية خاصة بالحياة. هناك أربعة أنواع من هذه المركبات المعقدة، جزيئات معقدة هي: البروتينات، والدهون (التي تسمى Lipids)، والنيوكليوتيدات التي تكوّن الأحماض النووية مثل DNA، والسكريات. عندما ن الفضاء، نجد آثار هذه المركبات. ففي الكون الواسع، عند انفجار النجوم وغيرها، نرى جزيئات عضوية معقدة موجودة في الفضاء. منها الأدينين - وهو أحد المركبات الأساسية في DNA - الموجود في الفضاء ويمكن رصده. كما توجد نيازك من النوع المعروف باسم "الكربونية" التي تتكون principalmente من الكربون، ويمكننا دراستها وتحليل تركيبها الكيميائي. ففي المغرب، على سبيل المثال، عُثر على نيزك شهير من هذا النوع (وفي تونس أيضاً)، وأظهر التحليل الكيميائي للصخرة النيزكية احتواءها على مواد عضوية تتضمن الأدينين والأحماض الأمينية التي هي مركبات البروتينات وغيرها. فالكون يصنع لبنات الحياة في كل مكان، ونجد هذه اللبنات منتشرة في كل مكان. وهذا ما اكتشفه شخص آخر - أحب أن أذكره في سياق مختلف - وهو تجربة "ميلر"، التي يمكننا العودة إليها لاحقاً ومناقشتها بتفصيل. عندما نعيد في المختبر محاكاة الظروف التي كانت سائدة على الأرض في بداياتها، بما في ذلك تركيب الغلاف الجوي المبكر، ونضيف شرارات كهربائية البرق وخلط المواد - كما نتوقع أن يكون الحال في الغلاف الجوي الأول للأرض - تنتج أيضاً مواد عضوية، منها الأدينين ومركبات أخرى مشابهة، بالإضافة إلى المواد البروتينية وغيرها. إنها نتيجة مذهلة حقاً. يبدو واضحاً أن مركبات الحياة منتشرة في جميع أنحاء الكون. هذا لا يعني أن هذه المركبات تتحول تلقائياً إلى حياة، لكن الأرض تمثل مثالاً حياً: فما أن استقرت وبردت حتى بدأت الحياة بالظهور عليها. والحياة التي نشأت على الأرض كانت بالطبع بدائية، تتألف من كائنات وحيدة الخلية. أما الكائنات المعقدة، ما نسميه متعددة الخلايا، فقد نشأت فقط قبل 500 إلى 600 مليون سنة، أي أنها لم تكن موجودة منذ البداية. معظم أشكال الحياة عبر التاريخ الجيولوجي كانت وحيدة الخلية، وليست معقدة. بل إن معظمها لم يكن حتى من نوع الخلايا المشابهة لخلايانا، بل كانت من نوع آخر يسمى "بدائيات النوى"، بينما تسمى خلايانا "حقيقيات النوى". فالبكتيريا مثلاً خلاياها تفتقر إلى نواة محددة. والحياة على الأرض خلال معظم تاريخها كانت من هذا النوع البسيط. هنا تكمن إجابة سؤالك: لماذا أعتقد أن الحياة ظاهرة طبيعية؟ لأننا نراها تتسم بتنوع هائل، وتتكيف مع بيئاتها وشروطها المختلفة، ولها تاريخ محدد نعرفه بدقة. والأمر المذهل أيضاً أن جميع أشكال الحياة تعتمد على الهيكل الأساسي نفسه: الخلية والـ DNA والعناصر نفسها. فأنا والبكتيريا لدينا DNA. إنها حقيقة مدهشة: فأنا لست مختلفاً كلياً عن البكتيريا. فالكائنات المعقدة - من حيث سلوكنا وإدراكنا ولغتنا ووعينا وذكائنا - تشترك في الأساس الكيميائي والهيكل الخلوي المتشابه. حتى الآثار البكتيرية في خلايانا، مثل الميتوكوندريا التي تحمل DNA خاصاً بها، تظل شاهداً على تاريخ تطور الخلايا المعقدة في الحياة. فلذلك أتعامل مع الحياة كظاهرة طبيعية. الحياة، الوعي، المدركة التي تفكر، التي تتعامل، التي تتساءل عن موجودة في الكون، ظهرت مؤخراً، ليست ظاهرة من بداية الكون. فهذا الجواب لهذا السؤال. لقد استبقتُ الأمور بالسؤال الثاني حول الإنتروبيا. لكن لعل الفارق الجوهري بيني وبين البكتيريا يكمن في مسألة التعقيد. لقد تطرقتم في الكتاب بشكل موسع إلى مفهومي التعقيد والإنتروبيا، وقد جئتُ بالمثال الذي أمامنا: كيف نفسر عملية حيوية مثل التكاثر على أنها آلية للتخلص من الإنتروبيا؟ بكلمات أخرى، كيف يمكننا فهم الظواهر الحية من منظور فيزيائي بهذه الطريقة؟ وما الذي يحدث على مستوى التعقيد؟ ولماذا بقيت البكتيريا على حالها بينما استمر هذا التعقيد بالتطور في اتجاه آخر؟ فتطورت إلى كائنات متعددة الخلايا، ثم ظهر التكاثر الجنسي، وصولاً إلى ظهور الذكاء لاحقاً. وكل هذه العمليات تبدو بشكل أو بآخر مرتبطة بمفهوم التعقيد، هذا صحيح. دعوني أوضح أولاً نقطة قد لا تكون واضحة للجميع. سأعرّف الإنتروبيا، وعندما أتناول هذا الفرع سأشرح للمستمع ما نقصده عندما نتحدث عن الإنتروبيا. ولكن قبل ذلك، يجب أن أشير إلى أن حتى الخلية البكتيرية - وقد تطرقتُ للفرق بيننا وبينها من حيث التعقيد - هي في الواقع معقدة بشكل هائل. فالبكتيريا، على سبيل المثال، تتكاثر عبر انقسام الخلية إلى قسمين. أي أن الخلية البكتيرية الواحدة تنقسم لتصبح خليتين مستقلتين. هذه آلية تكاثر تختلف عن تلك الموجودة في الكائنات الأكثر تعقيداً. السؤال المهم هو: كيف تتمكن البكتيريا عند تكاثرها من الحفاظ على المعلومات الموجودة داخلها؟ هذا المستوى من التعقيد والتنظيم ليس أمراً يسيراً. وهنا نصل إلى نقطة مشتركة بين جميع أشكال الحياة - فالتعقيد سمة عامة لكل مظاهر الحياة. حتى البكتيريا تمثل نظاماً معقداً للغاية. وهنا تبرز الملاحظة الأولى - صحيح أننا أكثر تعقيداً منها - لكن إشكالية التعقيد تطرح نفسها حتى مع البكتيريا. فما علاقة هذا بقوانين الفيزياء؟ أريد أن أناقش مسألتين....
المساواة التكاثرية لدى البشر (1): آثاره على الصفات النفسية للبشر، وأثر تعدد الزوجات – مع د. رياض عبد13 Oct 202500:46:05
يشرح د. رياض عبد نظريته حول المساواة التكاثرية لدى البشر والعلاقة بينها وبين صفاتنا الشخصية وكيف تؤثر نسبة من يستطيعون التزاوج في صنف أحيائي معين كالبشر على نواحي عديدة في السلوك. يشرح د. رياض عبد أيضاً التباين التكاثري وأثر التباين الناتج في الصفات وفي الشخصية على أمور مثل تقسيم العمل لدى البشر. وأخيراً في هذا الجزء يناقش اثر تعدد الزوجات في المساواة التكاثرية لدى البشر. فيما يلي نص الجزء الأول من اللقاء. أعزائي المستمعين، مرحباً بكم في حلقة جديدة من بودكاست "العلوم الحقيقية". معي في هذه الحلقة الطبيب النفسي والباحث في الطب النفسي التطوري، وضيفنا للمرة الثانية، د. رياض عبد. أهلاً وسهلاً بك دكتور. أهلاً وسهلاً، وشكراً على الاستضافة أستاذ عمر. لكن دعني أذكرك أن هذه استضافتي الثالثة وليست الثانية. نعم، لأن البودكاست السابق عرفناه بلقاء واحد، لكننا نشرناه في حلقتين. ونأمل أن تكون هذه الحلقة أيضاً من جزأين لإثراء المحتوى العربي، خاصة في مجال الطب النفسي والطب النفسي التطوري بشكل عام. ستناقش هذه الحلقة نظرية جديدة طرحها د. رياض عبد بناءً على بعض الأبحاث والقراءات، وهي حول ما يُعرف بـ "المساواة التكاثرية لدى الإنسان" (reproductive egalitarianism) وتأثيراتها على نفسية الإنسان والمجتمعات وتركيبتها، وإمكانية التعرض للأمراض النفسية. لذا، سؤالي الأول لك دكتور قد يدور حول هذا المصطلح نفسه وما يعنيه، فقد يكون غامضاً بالنسبة للمستمع: ما هي المساواة التكاثرية؟ شكراً جزيلاً مرة أخرى. في البداية، أريد أن أنبه المستمعين إلى أن استخدام المصطلحات العربية في هذا الموضوع سيكون فيه بعض الإشكاليات والصعوبات. لذلك أرجو من المستمع أو المشاهد أن يدرك هذا الأمر. ما سأفعله هو أنني سأذكر المصطلح بالإنجليزية قدر الإمكان مع مرادفات عربية، لأنه في كثير من الأحيان لن تكون هناك مصطلحات عربية متداولة في هذا المجال. ولكن أتمنى أنه بمرور الوقت، تتطور الأدبيات العلمية العربية لتطوير المصطلحات في مجالات الأنثروبولوجيا وعلوم النفس وغيرها. رابط الاستماع على سبوتيفاي رابط الاستماع على ابل بودكاست ما هي المساواة التكاثرية؟ النظرية التي نتناولها اليوم تسمى بالإنجليزية "Human Reproductive Egalitarianism" المساواة التكاثرية لدى الإنسان. وهي تشير إلى خصائص المنظومة التكاثرية البشرية التي تتسم بطابع مساواتي بشكل عام، وليس فقط بين الجنسين. بشكل عام، المنظومة التكاثرية البشرية تتميز بمساواة أكثر وضوحاً من أي صنف حيواني آخر. وبطبيعة الحال، وعندما يأخذ المرء موقفاً داروينياً، فإنه يعتبر البشر جزء من المنظومة الأحيائية العامة على الكرة الأرضية وليسوا منفصلين عنها. لذا، عندما ينظر المرء إلى البشر ضمن المنظومة الأحيائية عموماً، يصبح لديه مجالاً للمقارنة بين خصائص التكاثر عند البشر مقارنة بالأصناف الأحيائية الأخرى، وخصوصاً الثدييات، لأننا ننتمي إلى صنف الرئيسيات، وتحديداً إلى القردة العليا. القردة العليا هي أربعة أصناف فقط: الأورانغوتان الذي يعيش في آسيا، والغوريلا الذي يعيش في أفريقيا، والشمبانزي (وهناك صنفان: الشمبانزي والبانوبو)، والبشر. عند مقارنة البشر ومنظومتهم التكاثرية مع القردة العليا والرئيسيات والثدييات عموماً، نجد أن هناك ظاهرة مساواتية واضحة أكثر من أي صنف أحيائي آخر. وهذا لا ينطبق فقط على العلاقة بين الجنسين، وإنما بشكل عام. دعني أوضح هذه الفكرة. لغير المختصين، قد يتخيلون أن المنظومة التكاثرية عند الحيوانات أو الأصناف الأحيائية الأخرى هي عبارة عن فوضى، ولكنها ليست بهذا الشكل. كل صنف أحيائي له منظومته التكاثرية الخاصة، وهذه المنظومة تشمل عموم ذلك الصنف الحيواني. على سبيل المثال، إذا أخذنا الشمبانزي، وهو أقرب فصيل من القردة العليا إلى البشر (حيث أن لدينا أصل مشترك مع الشمبانزي قبل حوالي سبعة إلى ثمانية ملايين سنة)، نجد أن منظومته التكاثرية لا تحتوي على علاقة أو رابط بين ذكر وأنثى معينين. التكاثر عند الشمبانزي يقوم على الذكر المهيمن (Alpha Male)، وهو أقوى ذكر في المجموعة، الذي يحاول استغلال موقعه للتكاثر مع أكبر عدد من الإناث اللواتي يكونن في فترة الخصوبة، وهي فترة قصيرة. نتيجة لذلك، الذكر المهيمن هو أب لحوالي 30% إلى 50% من الولادات. هذه نسبة هائلة، وليس هناك رابط بين أنثى معينة وذكر معين. أما عند الغوريلا، التي كان لدينا أصل مشترك معها قبل حوالي 10 إلى 11 مليون سنة، فهناك نظام تكاثري مختلف، حيث يوجد ذكر واحد مهيمن على مجموعة من الإناث يعشن معه، وهذا الذكر يحتكر التكاثر مع هذه الإناث. أن غالبية ذكور الغوريلا لا تُتاح لهم الفرصة للتكاثر إطلاقاً، فيبقون بدون أبناء لأجيال قادمة، مما يعني أن جينات هؤلاء الذكور "الفاشلين تكاثرياً" تُستبعد من "المجمع الجيني" (Gene Pool)، أي مجموعة الجينات في صنف أحيائي معين. قارن ذلك مع البشر. النظام التكاثري أو المنظومة التكاثرية عند البشر تعتمد على وجود رابط، وهو ما يُعرف بـ "الرابط الزوجي" (Pair Bond)، بين أنثى معينة وذكر معين. بالطبع هناك اختلافات تعتمد على الثقافة والمجتمع، ولكن هذه الخاصية - أي وجود رابط بين رجل وامرأة - موجودة. للرجل عادة مسؤوليات تجاه الأطفال الناتجين عن هذه العلاقة، مثل توفير الحماية والغذاء أو مساعدة المرأة أو الأم في تأمين الغذاء. هذه المسؤوليات تختلف باختلاف المجتمع والظروف، لكنها موجودة بشكل عام. على سبيل المثال، في مجتمعات الصيد وجمع الثمار، كان دور الرجل يتركز في الصيد وتأمين اللحم، الذي له قيمة غذائية عالية جداً مقارنة بالنباتات. عمر: دكتور، أردت أن أسأل سؤالاً قد يكون خارج السياق، لكنك ربما متجه إليه أصلاً. السؤال حول العلاقة بين نفسية الإنسان وعقل الشمبانزي. لقد لاحظت أن ذكور الشمبانزي فرصتهم في التكاثر أفضل قليلاً من الغوريلا، بينما الإنسان فرصته أفضل بكثير. وأذكر من كتاب "لماذا الجنس متعة" - الذي ترجمه أحد أعضاء "العلوم الحقيقية" - أنه لو كان هناك كلب يراقب البشر وينظر إلى سلوكهم الجنسي، لرآه فاحشاً أو مبالغاً فيه، بل وهو سلوك للمتعة. فالسؤال هو: هل نحن نتحلى بصفات معينة أدت إلى سلوكنا هذا، أم أن سلوكنا وواقعنا ككائنات ذات عقل معين هو ما جعلنا نتصرف بشكل مساواتي؟ د. رياض: العلاقة بين تشكيل الصفات السيكولوجية والنظام التكاثري والمجتمعي هي علاقة ديالكتيكية، أي علاقة ديناميكية ومتبادلة. ليس بالإمكان أن نحدد بالضبط السبب والنتيجة، لأن السبب والنتيجة في حالة تفاعل مستمر. علينا أن نتذكر أننا كداروينيين وتطوريين نفكر بمنطق مئات أو آلاف الأجيال. فخلال هذه الفترة الطويلة، تتشكل الصفات السيكولوجية والسلوكية والمجتمعية والتكاثرية من خلال تفاعل هذه العوامل المتعددة. التباين التكاثري سوف أعود إلى وصف النظرية. من خلال فهم الفروقات بين البشر والأصناف الحيوانية الأخرى القريبة منا وغير القريبة، نجد أن "التباين التكاثري" (Reproductive Skew) عند البشر هو الأدنى. والتباين التكاثري مفهوم جوهري وأساسي لفهم الداروينية وآلية التطور، لأن التطور يعتمد بالأساس على النجاح التكاثري. فبدون نجاح تكاثري، لا يمكن للصفات أن تنتقل إلى الأجيال القادمة. على سبيل المثال، الأفراد الذين لم يكن لهم أطفال عبر آلاف السنين - لأي سبب كان - اختفت صفاتهم من الجنس البشري، بينما انتشرت صفات أولئك الذين كان لديهم أطفال كثيرون. الدراسات تشير إلى أن التباين التكاثري عند البشر هو الأقل بين جميع أصناف الثدييات. هذا أمر يجب الوقوف عنده والتساؤل عن تبعاته النفسية والمجتمعية. فما المقصود بالتباين التكاثري بالضبط؟ التباين التكاثري يعني مقارنة عدد الأطفال بين الافراد. هناك فرق بين الرجال والنساء؛ فمعظم النساء تجدن فرصة للتكاثر، بينما هناك دائماً، في كل المجتمعات، رجال يفشلون في التزاوج والتكاثر أكثر من النساء. لذا، التباين التكاثري عند الرجال أكبر منه عند النساء. ومقارنة بالتباين التكاثري عند أصناف الحيوانات الأخرى، نجد أن التباين التكاثري هو الأدنى عند البشر. أي أن عدد أو نسبة الرجال الذين يفشلون كلياً في التزاوج والتكاثر عند البشر هي الأدنى مقارنة بالأصناف الأخرى. على سبيل المثال، عند الغوريلا، عدد هائل من الذكور يفشلون في التكاثر كلياً، بينما النسبة أقل عند الشمبانزي، وهي الأدنى عند البشر، ليس فقط مقارنة بالقردة العليا، بل مقارنة بالثدييات عموماً. هناك دراسات كبيرة حول هذا الموضوع، لكن يبدو أن علماء الأنثروبولوجيا الذين أجروا هذه الدراسات لم ينتبهوا إلى التبعات النفسية والاجتماعية لهذه الخاصية الفريدة عند البشر. وهذا هو موضوع نظريتي. افتراضي هو أن هذه المساواة العالية جداً في النظام التكاثري البشري أدت – وهذه افتراضات مبنية على دراسات سابقة – إلى أن نسبة فشل انتقال الصفات أو الجينات منخفضة وهذا بدوره أدى الى أن تنوع الصفات، وخاصة السلوكية، سيكون أكبر عند البشر، لأن هناك نسبة أكبر من الرجال يساهمون في الأجيال القادمة أو في "الحوض الجيني" (Gene Pool). هذا يعني أن "التباين بين الجنسين" في النجاح التكاثري عند البشر هو الأقل مقارنة بالشمبانزي أو الغوريلا. على سبيل المثال، إناث الغوريلا عموماً تنجب بتباين قليل، لأن أي أنثى ستجد ذكراً مهيمناً تتزاوج معه، فلا مشكلة لديها. عند الشمبانزي أيضاً، لا تواجه الأنثى صعوبة في إيجاد ذكر للتزاوج في وقت الخصوبة. لذا، التباين التكاثري عند الإناث واطئ، والفرق في النجاح التكاثري بين الذكور والإناث عند البشر هو الأقل مقارنة بالأصناف الأخرى. من هذا أفترض أن التباين في "السمات الشخصية" (Personality Differences) سيكون أكبر عند البشر مقارنة بالأصناف الأخرى من الحيوانات. وذلك لأنه ستكون هناك مجموعة أوسع من الصفات والجينات والسلوكيات التي تنتقل إلى الأجيال القادمة، مقارنةً بالأصناف الأخرى التي فيها نسبة عالية للفشل التكاثري. هذا التباين في الشخصيات له تبعات أيضاً. فأفترض في نظريتي إلى أنه يمكن أن يشجع على "تقسيم العمل" (Division of Labor) في المجتمعات البشرية. على سبيل المثال، الصفات الشخصية للصياد الجيد تختلف عن المحارب، والتي تختلف عن الحرفي الذي يصنع الأدوات، وفي مراحل لاحقة عن المزارع الجيد، وهكذا. إذن، الاختلاف أو تباين الشخصيات كان له دور في التعقيد المجتمعي وتقسيم العمل وتطور المجتمعات البشرية بالشكل الغني الذي حصل. عند الثدييات الأخرى، تقسيم العمل بدائي جداً ولا يتجاوز في الغالب وظيفة أو وظيفتين داخل المجموعة. في الواقع، هو غالباً مجرد تقسيم عمل بين الأنثى والذكر، حيث تنجب الأنثى وتُرضع، وقد يكون للذكر دور في الحماية من الذكور الآخرين، كما في حالة الأسد الذكر الذي تكون مهمته المحدودة في الصيد (حيث الإناث هن من يقمن بالصيد أساساً) لكن دوره مهم في حماية الأشبال من الذكور الغرباء. هذا هو تقسيم الأدوار عموماً في الأصناف غير البشرية. أما تقسيم العمل المعقد في الكائنات غير البشرية فهو موجود عند "الحشرات الاجتماعية" (Social Insects)، والتي لديها تركيب مجتمعي معقد. وهذا أمر مدهش لأن الحشرات الاجتماعية بعيدة جداً عن البشر تطورياً، حيث أن الأصل المشترك بيننا يعود لمئات الملايين من السنين. أثر تعدد الزوجات عمر: دكتور، كل هذه النقاط تقودني إلى ملاحظة. أولاً، نلاحظ في التركيبة الاجتماعية للبشر، أو حتى في التركيبة النفسية للأفراد، إذا تحدثت عن الوحشية، قد يظهر البشر أحياناً أكثر وحشية من الحيوانات، وفي أطراف أخرى قد يظهرون أنهم في قمة السلم والرحمة. في سياق التكاثر، يحضرني مثالان: الأول هو تعدد الزوجات الذي قد يصل إلى معدلات مفتوحة كلياً في بعض المجتمعات، ويتزامن مع تباين في مستوى المساواة المتاحة للمرأة. والسؤال هنا: هل هناك ترابط إحصائي بين الحقوق والمساواة بشكل عام، وبين المساواة التكاثرية؟ المثال الآخر حديث، وهو بنوك النطف، حيث يمكن لرجل ذي مواصفات معينة أن ينجب مئات الأطفال، متجاوزاً بذلك أي حيوان آخر. ...
الحياة في الكون (1): مع د. سليم زاروبي حول كتابه عوالم لا حصر لها03 Oct 202500:57:53
في حلقة أخرى من بودكاست العلوم الحقيقية نحاور البروفيسور سليم زاروبي، وهو فيزيائي فلك فلسطيني متخصص في اللحظات الأولى وفي الحقبة الأولى من نشأة الكون. وفي هذا اللقاء، نتكلم عن كتابه الذي ناقش فيه نشوء الحياة؛ ظاهرة نشوء الحياة في الكون وفي الكواكب الأخرى. مرحباً بكم معنا دكتور سليم، وأترك لكم إضافة المزيد حول هذا الكتاب وحول من يرغب القراءة به قبل أن ندخل بمناقشة الكتاب. شكراً أخي عمر، شكراً. ويسعدني أن أكون معك كمان مرة؛ هذه المرة الثانية التي نلتقي بها. الكتاب—إذا تذكر—في الكتاب الأول الذي كتبته "البدء فيزياء وفلسفة، وتاريخ علم الكون"، أنهيت الكتاب الأول في الخاتمة وتحدثت عن إمكانيات الحياة في الكون بشكل سريع وبلَمحات. هذا موضوع يشغل الكثير من الناس. وعندما أتحدث عن فيزياء الفلك للجمهور العام، عادة أتحدث عن علم الكون بشكل عام، ولكن أيضاً أتحدث في بعض الأحيان عن إمكانيات الحياة في الكون، وأرى الدهشة والافتتان بهذا الموضوع في وجوه الناس. فكان عندي تخطيط منذ فترة أن أكتب عنه، كما كان واضحاً أنه بدأت أكتب كتاباً، ولكن في سنة 2022 كنت أنا كما تعلم كنت أعمل على الأقل جزئياً في جامعة خرونينغين في هولندا، وكنت أُدرِّس دورة معينة؛ دورة علم الكون. وفي هذه الفترة، كان يخطر ببالي سؤال حين ابتدأت الكتاب عملياً. السؤال كان: إذا كان هناك حضارات متطورة في الكون، حضارات متطورة بمفهومنا – حضارات غريبة تبني علماً، وتملك مجتمعات منظمة، وتستطيع أن تجوب الفضاء وتستكشفه، وإلى آخره؛ حضارات صاحبة تقنيات متطورة وتكنولوجيا متطورة. فتساءلت في حينه: إذا كان في حضارات من هذا النوع، هل هناك تشابه بيننا وبينها؟ ما هي أوجه التشابه؟ وما هي أوجه الخلاف؟ هل نستطيع أن نقول أن هناك تشابهاً معيناً أم لا؟. وابتدأت أقرأ عن الموضوع حتى أجيب نفسي عن هذا التساؤل. رابط شراء كتاب عوالم لا حصر لها من موقع نيل وفرات سياق الكتاب والتداخل مع واقع غزة والوحشية والقسوة الواقعة على أهلها وابتدأت في الكتاب، ولاحظت أنه من الممكن أن أكتب مقالاً كبيراً عن الموضوع، فابتدأت في الكتابة. وهذا في كتابي الحالي، والفصل تقريباً قبل الأخير—الفصل قبل الأخير هو الفصل الذي كُتب. وأدركت في حينها أنه يمكن كتابة كتاب عن الموضوع، بالإضافة إلى المواضيع الأخرى المرتبطة بقضية إمكانيات وجود الحياة من الناحية الفلكية ومن الناحية الفيزيائية وإلى آخره. فقررت كتابة كتاب وأجلته بعد الفصل الأول الذي كتبته في البداية، أجلته لسنة 2023، سبتمبر 2023، وصار شهر أيلول لأن كان لدي سنة "سباتيكال" كما تذكر، حصلت على جائزة هومبولت. فحينها كان يجب أن أقضي جزءاً من وقتي في ألمانيا. ولكن بعد فترة صغيرة من بداية الكتاب الذي قررت أن أكتب عنه ("الحياة، أنواعها، السياق الكوني للحياة"—هذه المحاور سنتحاور بها في الحوار)، بدأت مأساة غزة. مأساة غزة شلتني كما شلت كل فلسطيني نفسياً بحجمها ووحشيتها وقسوتها وإلى آخره، فتعطلت عن الكتابة فترة طويلة. ولكن بعد أشهر، وحتى أهرب من هذه المناظر البشعة التي ما زالت حتى الآن للأسف نراها بشكل يومي، أقنعت نفسي بشيئين. أول شيء أني بحاجة إلى الهرب، والكتابة مَهرب حتى أحافظ على تفكيري وعلى عقلي. والشيء الآخر الذي أقنعت نفسي به، أني كعالم فلسطيني، مساهمتي هي في نضال مجتمعي، وفي مساهمتي الفكرية؛ لأن معركتنا مع الوحش الصهيوني ليست معركة وجود وأرض فقط، وإنما هي معركة تاريخ وحضارة وفكر ومساهمة. فهذان الشيئان جعلاني أُكمل كتابي. الكتاب—مع أنه كتاب علمي، وهذا أذكره في التمهيد والمقدمة الصغيرة الأولى—يتناول موضوعاً علمياً بحتاً. أنا أتعامل مع الحياة كظاهرة طبيعية، ولا أتعامل معها بشكل آخر كعالم. ولكن، الكتاب مجبول بغزة. كل كلمة كتبت في الكتاب كانت غزة في وجداني وفي خيالي. فهذه هي ظروف كتابة الكتاب. في الكتاب، أتناول عدة محاور. المحور الأول هو السياق الكوني للحياة؛ فالحياة لها سياق كوني، وبدون الكون لا يمكن أن نتحدث عن حياة على الأرض. وفي مراحل مختلفة وجوانب مختلفة من هذا الحديث، أتحدث في الكتاب عن فيزياء الحياة (طبعاً المجموعة الشمسية وتحدثت عن الأرض بشكل عيني)، وكيف نتعامل مع علاقة الفيزياء بظاهرة الحياة. أتحدث عن كيمياء الحياة (لماذا كيمياء الحياة هي كيمياء خاصة، وما الذي يميزها وإلى آخره)، وعن بيولوجيا الحياة ونظرية داروين وما أتى منها. وبالآخر، أتساءل عن التساؤل الذي بدأت فيه: إذا كان هناك حياة متقدمة في الكون، هل هي شبيهة بنا أم لا؟. ينهي الكتاب بفكرة تعبر كل فصوله، وهي أننا على الأرض كائنات جانبية. كوكب الأرض هو مكان جانبي في الكون، مكان غير مُهم. نحن ندور حول نجم غير مُهم في مجرة غير مُهمة. ومثل الكرة الأرضية، هناك مليارات، عشرات المليارات، إن لم يكن آلاف المليارات من الكواكب الصغيرة التي ممكن أن يكون عليها حياة في الكون، وتشبه الأرض من ناحية خواصها. الذي يدرس في علم الكون يستنتج بشكل مباشر تقريباً جانبيتنا وعدم أهميتنا في هذا الكون الفسيح. ففي الفصل الأخير أتساءل: إذا كانت أهميتنا ليست مركزية في الكون، فمن أين تأتي أهميتنا؟. هذا سؤال أخلاقي، سؤال فلسفي، سؤال فكري. والإجابة عليها—يمكن أن نتحدث عنها—هي أننا نحن نعملها، نحن نصنع أهمية حياتنا. أهمية حياتنا هي بأيدينا. فهذه هي مواضيع الكتاب بشكل عام. ولكن يهمني أن أذكر للمستمع والمشاهد السياق الذي منه تطورت. للأسف الشديد يا دكتور، بينما تكتبون كتاباً عن ظاهرة الحياة وعن تجلي هذه الظاهرة في الكون، وأنتم تشهدون الموت العبثي وسفك الدماء وكل هذا الألم العبثي. وأتمنى لو كان حديثنا عن هذا الموضوع يقود إلى أي شيء لصالح كل هذه المعاناة؛ إنه أمر مؤلم جداً. صحيح. على فكرة عامة، حتى نغطي هذا الموضوع: في عندي أصدقاء في غزة أتواصل معهم دائماً. وأحدهم هو صديق عزيز، الدكتور سالم أبو مصلح، وهو فيزيائي يعمل في وزارة المعارف الفلسطينية. هو فيزيائي فلك (Particle Astrophysics)، ما يسمى فيزيائي الجسيمات المتعلقة بالفلك. وهو يعمل في وزارة المعارف الفلسطينية لتعليم العلوم وإلى آخره. أجتمع معه بشكل مباشر عبر "الزوم" طبعاً، أسبوعياً تقريباً، أو مرة بالأسبوعين. نتحدث فيها عن برامج وعن مواضيع مختلفة، كيف نساهم في أن نغطي الفجوة على الأقل لِمن هو قادر على أن ينجو من هذه المأساة، من ناحية التعليم وإلى آخره. وفي مرة أذكر أنه أرسل لي صورة من خيام النزوح التي يسكن فيها، وهو يجلس مع فتيات ويعلمهن عن السماء. فحتى هذه الأمور هي محاولة للحفاظ على إنسانيتنا وعلى وجودنا الإنساني، وأن نتذكر—وهذه الجملة التي كتبها لي في حينه—أننا "نحاول أن نذكرهم أنه في شيء آخر في السماء غير الطائرات والصواريخ التي تسقطها". فأتمنى. (سأذكر هذه أيضاً في توثيق المقالات؛ كما تعرفون، نوثق المقالات العربية والإنجليزية، أذكر اللقاءات الخاصة). من علم الكون الى الحياة: نقطة المنتصف بين أصغر شيء وأكبر شيء في الكون دكتور، حديثكم عن الدهشة التي أصابتكم كونك فيزيائي واقتربت من مجال ليس مجالك التقليدي. ما أدهشني في الكتاب—وأول حقيقة أدهشتني وأترك لكم الحديث عنها للمشاهدين—هي نقطة المنتصف بين نصف قطر بلانك وبين قطر هابل أو قطر الكون، وأن الحياة تقع في موضع معين بين هذين القطرين. وهذا بحد ذاته بوابة للكثير من الأسئلة، لكن أترك لكم تقديمها للمشاهد والمستمع. وأيضاً أرجو أن لا أكون أتكلم عن أمور تتوقع أن القارئ يقرأها بدلاً من السماع عنها. حتى إذا سمعها مرتين بالعكس، جيد أنه يسمعها أكثر من مرة. اسمح لي أن أعرف البُعدين، ومنهما أنطلق في الفيزياء. يمكن الحديث عن أكبر بعد في الكون وأصغر بعد في الكون في الطبيعة. أكبر بعد في الطبيعة هو كبر الكون نفسه. كبر الكون نعرفه ويسمى نصف قطر هابل. وهابل هو العالم الكوني الأمريكي الذي اكتشف انتشار الكون في سنة 1927 أو 1929. اكتشف أن المجرات تبتعد عن بعضها البعض، واستنتجنا منها أن نسيج الكون وهندسة الزمكان في حالة انتشار وابتِعاد. وعلى اسمه يسمى قانون هابل، ومن قياساته نستطيع أن نعرف كبر الكون الذي نراه. كبر الكون يسمى نصف قطر هابل، وكبره حوالي 10^{25} متر، أي واحد وبجانبه 25 صفراً. هذا هو أكبر شيء في الكون: الكون نفسه. في الفيزياء، هناك أيضاً إمكانية الحديث عن أصغر شيء. أصغر شيء في الفيزياء هو قطر أو نصف قطر يسمى نصف قطر بلانك. وعند هذا نصف القطر، الفيزياء التي نعرفها وقوانين الفيزياء التي نعرفها تنهار. يصبح المفهوم أننا لا نعرف كيف نصف الفيزياء على أبعاد أصغر من هذا البعد. إذا تذكر، في واحدة من النظريات الأساسية في الفيزياء تسمى نظرية الكم  (Quantum Physics)وفيها مبدأ يسمونه "مبدأ اللايقين". فيه نحن محدودون فيما نعرفه على بعد معين وسرعة معينة. فنستخدم الجاذبية حتى نعرف هذه السرعة، ومنها نعرف هذا القطر. هذا القطر يعتمد على ثلاث ثوابت في الفيزياء، وتحته—أي في أبعاد أصغر منه—لا نستطيع الحديث عن أي شيء؛ لا نعرف. وهذا البعد، نصف قطره 10^{-35} متر على ما أذكر. إذا أخذت المعدل الهندسي بين أكبر شيء في الكون وأصغر شيء في الكون. (المعدل الهندسي يختلف عن المعدل الحسابي؛ المعدل الحسابي تأخذ رقمين تجمعهما وتقسمهما على اثنين. المعدل الهندسي هو تأخذ رقمين تضربهما ببعض وتأخذ الجذر التربيعي لحاصل الضرب). فإذا أخذت المعدل الهندسي بين أكبر شيء وأصغر شيء في الكون، نحصل على رقم حوالي العشرة ميكرومتر، أي 10^{-5} من المتر، أو واحد على مئة ألف من المتر وهذا هو تقريباً كبر الخلية الحية. الخلايا الحية أصغر قليلاً أو أكبر قليلاً، ولكنها في هذا الحيز من الكبر. وهذه شغلة مذهلة: الحياة تحصل في النصف، في الوسط، بين أكبر شيء وبين أصغر شيء. أنا لا أعرف كيف أفسر هذه الظاهرة التفصيلية، ولكن هذا يدل على أن سياق الحياة أو وجودها مرتبط بشيئين: بأصغر الأمور في الكون (الذرات، صفاتها، الكيمياء، إلى آخره)، ولكنه أيضاً مرتبط في أكبر الأشياء في الكون نفسه. فسياق الحياة هو ليس فقط كيميائي وفيزيائي وبيولوجي، وإنما كوني بمفاهيم عديدة. وهذه الحقيقة تعكس هذين الشيئين المهمين. ما زالت شغلة مذهلة أن الحياة تحصل بالضبط في النصف تقريباً بين أكبر شيء وأصغر شيء. لما أنا أول مرة تعلمت هذه الحقيقة، ذُهلت؛ كانت شغلة مذهلة. دكتور، تكلمتم بالحديث عن الحقائق الكونية وعلاقة ظاهرة الحياة بالكون، قرأت عن سلوك المادة المظلمة في بداية نشوء الكون. هل هناك صلة مباشرة بين حقائق مثل هذا؟ وهل تطور العلم في هذا المجال هو جزء مما يتكلم عنه الكتاب وعن نشوء الحياة؟ أم تطرقتم لهذا على سبيل البدء بالحقائق من الأعلى، ومن المستوى الأعلى من الكون إلى ما هو أدنى من ذلك؟ ما سبب تطرقكم إلى هذا المستوى من الحقائق؟. صحيح، دعني أُعرِّج على شغلة ذكرت في السؤال السابق، ثم أأتي إلى قضية السياق الكوني للحياة. ذكرت حضرتك أن هذا ليس جزءاً من خبرتي الأساسية. هذا الموضوع ما حدث في الثلاثين سنة الأخيرة. أذكر عندما أنهيت الدكتوراه، سافرت إلى جامعة بيركلي في كاليفورنيا. وأذكر في أحد الاجتماعات كنا كل يوم ثلاثاء على الغداء—العلماء المختلفون يذكرون أبحاثهم وماذا يفعلون، وفي بعض الأحيان يتحدثون عن أبحاثهم. فأذكر مرة دخل زميل وهو مُنفعل (هذا الحديث سنة 1996)، وهو منفعل جداً لأنه أعلن فريق سويسري أنه لأول مرة نكتشف وجود كوكب سيار خارج المجموعة الشمسية، يدور حول نجم آخر غير الشمس. اليوم نسميهم كواكب نجمية Exoplanet بالإنجليزية؛ الكواكب السيارة التي تدور حول نجوم أخرى. وكانت هذه أول مرة. هذا الزميل كان عنده المعطيات والبيانات التي كان ممكن هو نفسه أن يكتشف بها هذا الكوكب السيار، ولكن لسوء حظه سبقه السويسريون وخسر جائزة نوبل. (السويسريون أخذوا جائزة نوبل على اكتشافهم). ولكن هذا الزميل كان منفعلًا بشكل إيجابي لأنه أدرك أبعاد هذا الاكتشاف. اليوم نحن نعرف الكثير. من ذاك الوقت (تقريباً 30 سنة حتى الآن) تطورت معرفتنا بشكل هائل. فعدد الكواكب السيارة التي اكتشفناها حتى الآن بشكل مباشر—نعرف أسماءها، كتلتها، حول أي نجم تدو
الانوركسيا واضطرابات الطعام عامة في الطب النفسي التطوري: لقاء مع د. رياض عبد (الجزء الثاني)05 Mar 202500:39:14
في الجزء الثاني من اللقاء مع د. رياض عبد أحد مؤسسي مجال الطب التطوري في العالم (يتبع الطب النفسي التطوري والفصام) يتحدث د. رياض عبد عن حالة أخرى نشر فيها أبحاث عديدة وهي فقدان الشهية العصابي واضطرابات الطعام بشكل عام . الدكتور رياض عبد هو خريج طب بغداد 1974، ثم درس وتخصص في المملكة المتحدة حتى أصبح استشارياً في الطب النفسي عام 1987 ليتجه للعمل في وزارة العدل البريطانية وفي البحث العلمي بمجال الطب النفسي التطوري في العام 2012. له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة والعديد من النظريات المهمة في علم النفس التطوري وفي الطب النفسي التطوري. روابط مهمة: قناة الطب النفسي التطوري للكلية الملكية للأطباء النفسيين كتاب الطب النفسي التطوري من تأليف د. رياض عبد رابط أبحاث رياض عبد على جوجل للأبحاث
الطب النفسي التطوري والفصام: لقاء مع د. رياض عبد (الجزء الأول)03 Mar 202500:48:37
في حلقة جديدة من بودكاست العلوم الحقيقية نلتقي مع الدكتور رياض عبد الطبيب النفسي والباحث التطوري. الدكتور رياض عبد هو خريج طب بغداد 1974، ثم درس وتخصص في المملكة المتحدة حتى أصبح استشارياً في الطب النفسي عام 1987 ليتجه للعمل في وزارة العدل البريطانية وفي البحث العلمي بمجال الطب النفسي التطوري في العام 2012. له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة والعديد من النظريات المهمة في علم النفس التطوري وفي الطب النفسي التطوري. في هذه الحلقة، والتي هي الجزء الأول من اللقاء، يشرح الدكتور رياض عبد عن الطب النفسي التطوري وفرقه عن علم النفس التطوري ومن ثم يشرح نظريته الهامة حول العلاقة بين الفصام والعيش في الغربة.   روابط مهمة: قناة الطب النفسي التطوري للكلية الملكية للأطباء النفسيين كتاب الطب النفسي التطوري من تأليف د. رياض عبد رابط أبحاث رياض عبد على جوجل للأبحاث
علم الآثار والذكاء الاصطناعي وأبحاث مغناطيسية الأرض والحمض النووي مع د. مارك الطويل25 Mar 2024
في هذه الحلقة من بودكاست العلوم الحقيقية يأخذنا الدكتور مارك الطويل في رحلة الى علم الآثار وآخر التقنيات المستخدمة فيه والوسائل العلمية الداخلة في البحث الآثاري اليوم. الدكتور مارك الطويل هو أستاذ علم آثار الشرق الأدنى وعلم البيانات الاركيولوجي، علم البيانات المختص بعلم الآثار في جامعة يو سي ال (كلية لندن الجامعية). في هذا اللقاء يشرح الدكتور مارك الطويل عن أهم الأبحاث التي يعمل عليها ثم يشرح عن استخدام مغناطيسية الأرض في تقدير التواريخ وهو آخر بحث عمل عليه. كما يشرح لنا عن أبحاث استخدام الأرض والتقنيات المستخدمة فيها. نتحدث أيضاً عن العلاقة بين العلم وعلم الآثار اليوم وعن بحوث الحمض النووي واستخدام الذكاء الاصطناعي ونختم بالحديث عن العلوم الزائفة في علم الآثار. نص اللقاء كما نشرناه في مجلة العلوم الحقيقية العدد 61: أحب أن اسألكم في البداية عن نبذة عنكم وأهم الاكتشافات التي مررتم بها وما ترونه أكثر تشويقاً واهتماماً بمسيرتكم البحثية. هناك الكثير من الدراسات التي نهتم بها حالياً. شخصياً، دَرست قبل فترة مغناطيسية العالم (magnetic earth) وهي دراسة نعتبرها مهمة جداً لأنها تعطينا دليل على الفترات الزمنية وكيف تتسلسل الأحداث وفقها. مثلاً، حتى الآن لا نعرف متى كانت تحديداً حقبة أحد الملوك سابقاً. هناك تسلسل زمني يقسم إلى أنواع منه ما يعرف بالـ (low chronology) (أي التسلسل الزمني المنخفض) وهناك ما يُعرف بالتسلسل الزمني المتوسط (middle chronology) وهناك أيضاً التسلسل الزمني المرتفع (high chronology). حالياً لا نعلم أي من هذه التسلسلات هو الأكثر صحة لكن مع دراسة مغناطيسية العالم استطعنا تحديد أيها أكثر صحة والذي كان التسلسل الزمني المنخفض. دراسات البيئة القديمة هي من الدراسات التي أراها ايضاً شديدة الأهمية. وهناك دراسات لما نسميه (Speleothem) (تعرف بالعربية بالإرساب المتدلي) وهي المتعلقات الحجرية في الكهوف. دراسة النظائر (isotopes) هي مجال آخر مهم. وأيضاً دراسات الحمض النووي تعد مهمة جداً والتي تفيد في دراسة أصول الشعوب. لا نعرف مثلاً ما هو أصل العرب اليوم أو أصول الشعوب التي تقطن في العراق اليوم. حتى الآن تعد قواعد البيانات المعنية بهذا الأمر ضعيفة جداً بالنسبة للعراق وهو أمر نهدف لدراسته. تعرف الدراسة بدراسة الحمض النووي القديم أو (ancient DNA). حتى الآن يعد هذا الأمر غير معروف بما يكفي لكن بدراساتنا ودراسات آخرين نأمل أن ننجح في زيادة المعلومات في هذا المجال ليكون من الواضح ما هي أصول سكان وادي الرافدين ومناطق أخرى في الشرق الأوسط. دراسة مغناطيسية الأرض هل من الممكن أن نعود إلى موضوع مغناطيسية الأرض، شخصياً وربما جمهورنا أيضاً قد يكونون مهتمين بهذا المجال. يبدو هذا وكأنه أحد المجالات الثمينة التي تربط بين التاريخ والعلم، أو مجال علمي لدراسة التاريخ. صحيح. هناك قطع من الآجر ورد عليها ذكر أسماء الملوك مثل حمورابي أو غيره من الملوك القدماء. وقد يرد أن أحد الملوك قد عاش أو حكم لعشرين سنة، لكن متى كانت تلك العشرين سنة؟ هذا الشيء غير واضح وغير مثبت. ما فعلناه بدراسة مغناطيسية الأرض هو أننا ثبتنا تلك الفترات فعلياً. مثلاً لنقل أن هناك حدث في الألف الثالث قبل الميلاد، سيطر الأكديون في تلك الفترة على العراق لفترة تمتد تقريباً من 2500 أو 2400 ق.م إلى 2300 ق.م لكن ما هي الفترة التي حكموا فيها بالتحديد؟ لم نكن نعرف ذلك حتى حددنا ذلك بدراسة المغناطيسية عبر قطع الآجر من تلك الحقبة. قمنا بتحديد تواريخ قطع الآجر وثبتنا الفترة بالتحديد. الهدف من ذلك كان لتوضيح الفترة الزمنية بدقة، أما قبل ذلك فلم نكن نعرف أي التسلسلات الزمنية هو الأكثر صواباً، ولكن بعد هذه الدراسة أثبتنا أن التسلسل الزمني المنخفض يمتلك الاحتمال الأكبر لأن يكون الأصح والأقرب للتاريخ الذي يقاس بمغناطيسية العالم. تتغير مغناطيسية العالم كل فترة، ربما كل 50 سنة أو كل 100 سنة. وحيث أن لدينا تلك التغيرات في الطابوق – قطع الآجر المشار لها – نستطيع تأكيد الفترات بدقة. في دراسة المغناطيسية نحتاج إلى قطع أثرية كالطابوق والآجر والفخار التي تضم قطعاً من الحديد. يحتوي الحديد بدوره على دليل على التغيرات المغناطيسية. وحيث نأخذ عينات من الحديد في تلك القطعة نستطيع أن نعرف بالضبط متى حدث. هل نفهم أن الدراسة تتم على جزيئات الحديد الموجودة ضمن قطعة من الآجر؟ نعم، هناك قطع شديدة الصغر بكميات صغيرة جداً في الآجر أو الفخار. ونحن ندرس تلك العينات الصغيرة ونجري فحوصاً عليها لنعرف كيف كانت مغناطيسية الأرض في ذلك الحين من خلال اتجاه قطع الحديد. من خلال معرفة الاتجاه يمكن معرفة قوة المغناطيسية في تلك الفترة. هل دقة سنوات دراسة كهذه تصل إلى عشرات السنين، مئات السنين، أم إلى السنة بالضبط؟ يمكن أن نقول أقل من 10-20 سنة. يعني لو كان هناك ملك قد حكم في سنة 200 ق.م فمن الممكن أن نثبت الدقة بأقل من 20 سنة. وهذه القياسات تبقى أوضح مما نعرفه الآن لأننا لا نعرف في الوقت الحالي متى عاش وحكم هؤلاء على العراق مثلاً. خطأ التاريخ قبل ذلك كان من الممكن أن يزيد عن 100 سنة أما الآن فقد صار أقل من 20 سنة. هل يمكن أن تطبق هذه الدراسة على فترات ما قبل التاريخ أم تنحصر بالحضارات التي بنت شيئاً؟ من الصعب تطبيق هذه الدراسة على فترة ما قبل التاريخ، لأننا نحتاج في البداية إلى شيء يثبت التاريخ مثل فترات الملوك التي تذكر فترات كأن يقول أحد الملوك أنه حكم لعشرين سنة. أما الفترات من العصر الحجري فلا يوجد شيء مكتوب. اذا لم يكن هناك شيء مكتوب فكيف تثبت المغناطيسية أو تغير المغناطيسية على فترة عاش بها أحدهم. يجب أن تكون حقبة القطعة الأثرية معروفة حتى يثبت تاريخ المغناطيسية مع التاريخ البشري.   للاطلاع على المزيد حول بحث الدكتور مارك الطويل من موقع كلية لندن الجامعة:  Mesopotamian bricks unveil the strength of Earth’s ancient magnetic field, UCL, 19 December 2023   دراسة استخدام الأرض أحب الرجوع لبقية المواضيع التي ذكرتموها. لكن من الملاحظ أن من أكثر المجالات التي قمتم بدراستها هو مجال استخدام الأرض (land use) وتحول الأرض (land transformation). ذكرنا سابقاً في أحد المقالات كيف يستخدم مجال استخدام الأرض، لكن ربما نود أن نتعلم منكم أكثر عن ماهية هذا المفهوم. مجال استخدام الأرض يتضمن استخدام تقنيات عديدة مثل الصور الفضائية والحمض النووي وما نقوم به اليوم مثلاً مما يقوم على تحليل الرواسب الطبيعية والتي أقوم بتحليلها باستخدام جهاز لتحليل عينات التربة لدراسة المتحجرات الصغيرة الموجودة فيها وبالتالي نستنتج استخدام الأرض وطبيعته. دراسة استخدام الأرض هي دراسة الزراعة والبناء والمستوطنات وآثار البشر في العصور القديمة مما تُرك في الأرض. مثال على ذلك دراسة قنوات الري القديمة. ما هي الطرق العلمية التي تستخدمونها لفهم استخدام الأرض؟ يجب في البداية أن نقوم بالحفريات مثل قطع عينات معينة من التربة. أحياناً نستخدم الصور الفضائية، كما ذكرت، وكذلك المتحجرات الدقيقة ومتحجرات النباتات التي تدرس بالمجهر لرؤية الأنواع النباتية وكذلك أنواع التربة. تعطينا أنواع التربة دليلاً على هل أن الرواسب هذه تعود للأنهار أو للصحراء أو من مناطق زراعية أو من البشر أو من أثر البشر على الأرض من خلال السقي والزراعة والبناء. دراسة النظائر أيضاً مهمة حيث يمكن أن تعطينا فكرة عن أنواع الأمطار وكميات الأمطار في المنطقة في العصور القديمة. لكن أهم شيء هو الأدلة الحفرية وأدلة القمر الصناعي والمتحجرات. آخر دراسة قمنا بتغطيتها في العلوم الحقيقية بهذا المجال كانت حول تقدير تعداد سكان العالم الجديد – الأمريكتين – حيث تم اجراء عدة مراحل من دراسات استخدام الأرض في الأمريكتين وتم عن طريق هذه الدراسة تخمين الانخفاض السكاني الكبير لدى السكان الأصليين الناتج من الأوبئة التي جلبها الأوروبيين والتي تسببت بإبادة معظم سكان الأمريكتين. في نهاية المقال ولكوننا موقع العلوم الحقيقية قمنا بمناقشة هل هذا علم حقيقي أم لا وما مدى دقة دراسة كهذه. ما مدى دقة أن نخمن تعداد سكان أرض معينة من خلال استخدام الأرض؟ هل يمكن أن يصل ذلك إلى فروقات تصل إلى الضعف أو عشرة أضعاف الفارق مع التعداد الأصلي؟ وهل يمكن أن نعول على دراسة كهذه وأن نراها دقيقة جداً؟ تخمين عدد الناس بفترة سابقة هو أمر شديد الصعوبة. عندما نحلل أمراً كالرواسب فإننا نقارن بين فترة وأخرى. يمكن أن نرى كيف ينخفض عدد النباتات أو تغير المناخ من الغابات إلى الصحراء مما يعطينا دليلاً على أن تعداد السكان قد انخفض لأن المنطقة الصحراوية بطبيعة الحال لا تحمل عدداً كبيراً من السكان بالمقارنة مع المنطقة الزراعية. بهذه الطريقة نستطيع بالتحديد أن نقول أن عدد السكان قد انخفض مثلاً. لكن من الصعب جداً أن نقول كم هو العدد حيث سيكون الأمر قائماً على التخمين بصورة رئيسية. لا أثق بتخمين العدد بهذه الطريقة.   الحمض النووي التاريخي والتغير المناخي في الشرق الأوسط تكلمتم عن الحمض النووي التاريخي. في العلوم الحقيقية نحن مهتمون بتغطية كافة سلالات الحمض النووي من جهة الميتوكوندريا والكروموسوم واي. في المقالات التي كتبتها حتى الآن بالاستناد الى الأبحاث الموجودة لاحظت قضية استيطان مجاميع جديدة من البشر إلى الشرق الأدنى مثل المجموعة ج التي جاءت قبل قرابة 20 ألف سنة قبل الآن (ق.ا) والمجموعة E واستيطانها بشمال إفريقيا. ويتزامن ذلك مع فترة الهولوسين ومع ظهور الحضارة. كيف أثر الهولوسين على قدوم البشر إلى الشرق الأدنى وعلى نشوء الحضارات؟ ربما نصوغ السؤال بطريقة أخرى: هل كنا سنرى العالم بالطريقة التي نراها عليه الآن لولا الهولوسين وانتقال البشر إلى الشرق الأدنى في تلك الفترة؟ تعطينا دراسات الحمض النووي فكرة عن الهجرات وفتراتها لكن لا نعرف الأسباب بواسطتها. نحن نتوقع أن الهجرات من 20 ألف إلى 10 آلاف ق.م كانت فترة جفاف، فترة جليدية. كانت المنطقة شديدة الجفاف في تلك الفترة وكان الجو بارداً وقليل الأمطار. ثم نعرف أيضاً كيف تغير الحمض النووي للجزيرة العربية مثلاً في الحقبة بين 20 ألف إلى 10 آلاف ق.م بسبب هجرة الناس من أفريقيا إلى الشرق الأدنى. وكذلك انتقال الناس من الجزيرة العربية إلى وادي الرافدين. وأيضاً مناطق أخرى مثل الهجرة من الجزيرة العربية إلى حوض المتوسط. نتوقع أن تأثير المناخ وارد على الهجرات القديمة وهذا بدوره يؤثر على الحمض النووي في المنطقة في الشرق الأوسط وفي شمال أفريقيا ايضاً. نتخيل من كلامكم أننا ربما لو بقينا في تلك الفترة أو ضمن الفترة الجليدية فربما ما كانت الحياة ستكون كما هي عليه في الشرق الأدنى؟ أو أنها ستكون أرض سيئة وربما لم نكن لنرى الحضارات التي نشأت؟ هناك مجال لعيش البشر في الفترة الجليدية. ليس في كل مكان، مثلاً شبه الجزيرة العربية كانت شديدة الجفاف. لكن المناطق التي فيها واحات أو المناطق الجنوبية مثل اليمن وعمان فقد كانت أفضل حالاً وكان فيها بعض الأمطار، كما أن الأنهار في جنوب العراق تؤثر أيضاً. فضلاً عن فرص العيش في سهل البحر المتوسط. لكن بشكل عام فقد كانت الفترة الجليدية سيئة لكن ليس لكل المنطقة بنفس الشكل، حيث كان هناك مناطق مأهولة. حتى الآن حين نجري مسحاً آثارياً في الجزيرة العربية نكتشف وجود مناطق فيها أحجار مثل حجر الصوان أو أصناف من الأدوات التي استخدمها البشر أو الخشب. مناطق كهذه كان فيها ماء أكثر من غيرها رغم الجفاف الشديد للمنطقة. مع نهاية الفترة الجليدية أثر ذلك وهاجر المزيد من البشر إلى وادي الرافدين ونتوقع أن ذلك أثر في نشوء مستوطنات نهاية الفترة الحجرية.   العلم والذكاء الاصطناعي وعلم الآثار أود الانتقال إلى محور آخر: ذكرتم الكثير من المجالات العلمية في دراسة علم الآثار، لكن كم من علم الآثار الأركيولوجي يمكننا اعتباره علماً اليوم؟ ما هي الصلة حالياً بين العلم وعلم الآثار؟ هل هو علم بحت أم ما زالت هناك طرق غير علمية؟ علم الآثار هو دراسة علمية بالتأكيد لكنه أيضاً دراسة فنية....
كتاب شرح الوعي لدانييل دينيت: وعي الزمن، تعريف الوعي، ودحض للمسرح الكارتيزي09 Sep 202300:31:50
في هذه الحلقة من البودكاست نقدم قراءة في الفصول الست الأولى من كتاب دانييل دينيت (Daniel Dennett) شرح الوعي (Consciousness Explained) الذي كتبه عام 1993 ومنذ ذلك الحين يعد الكتاب أحد أشهر الكتب التي تغطي مجالات عديدة في علم الأعصاب وفلسفة علم الأعصاب والفلسفة بشكل عام. يستحق الكتاب أن يجزء الى عدة قراءات ومقالات نظراً لثراء المعلومات وعمقها وتعقيدها أحياناً وهذا ما فعلناه. سيتم نشر نص هذا البودكاست في العدد القادم للمجلة كما سيتم نشر النص بشكل مقالات في الموقع في وقت لاحق من الشهر القادم (سبتمبر 2023). رحلة ممتعة مع أحد أعمق الكتب في علم الأعصاب والذي سيغطي اسئلة غريبة جداً مثل: كيف نعلم أننا لا نعيش في محاكاة؟ ما الفرق بين الحب والزلزال؟ هل هناك نقطة نهاية للوعي يمكن أن ندرك الشيء حين يبلغها في الدماغ؟ هل تسائلت لماذا قد تقود السيارة دون أن تعلم أنك كنت تقود؟ أو لماذا لم تنتبه الى صوت الساعة حتى توقفت؟ كيف ندرك الزمن؟ الرابط في الموقع: https://real-sciences.com/?p=257820 لقراءة المقال: https://real-sciences.com/?p=258252 جوجل بودكاست آبل بودكاست سبوتيفاي  
كتاب حاسة الرقم: كيف يصنع العقل الرياضيات13 Aug 202300:12:02
حاسة الرقم: كيف يصنع العقل الرياضيات. عنوان الكتاب بالانجليزية: The Number Sense: How the Mind Creates Mathematics المؤلف هو البروفيسور ستانيسلاس ديهين الذي يشغل منصب رئيس قسم علم النفس التجريبي الادراكي في كلية فرنسا (كوليج دو فرانس) بباريس حالياً وصاحب كتب أخرى كثيرة في العلوم الإدراكية. سنمر على أفكار عديدة من الكتاب ولا تغطي قراءتنا فيه بالضرورة تسلسل وتغطية لكل ما ورد في الكتاب. سيتم نشر نص البودكاست في العدد القادم لمجلة العلوم الحقيقية. رابط يوتيوب: https://youtu.be/8vYgf2Crilw رابط الموقع: https://real-sciences.com/?p=257393 جوجل بودكاست ابل بودكاست سبوتيفاي نص البودكاست: سنمر على أفكار عديدة من الكتاب ولا تغطي قراءتنا فيه بالضرورة تسلسل وتغطية لكل ما ورد في الكتاب.  الإرث الذي أخذناه من أسلافنا في المملكة الحيوانية يعد أمراً مميزاً في الكتاب. هل كنت تعلم أن الجرذان مثلاً تمتلك تمثيلاً تجريدياً للأرقام؟ يعني ذلك أن إدراكها للحساب ليس فقط حسياً وقائماً على تكرار المشاهدات بل تمتلك تمثلاً معيناً للأرقام. كيف فهم العلماء ذلك؟ في العادة تقوم التجارب على ربط ومضتين أو صوتين مثلاً بالرقم اثنان، أو بربط زر معين يضغطه الحيوان ليحصل على مكافأة. وهنا قام رسل تشرتش (Russel Church) وورين ميك (Warren Meck) بتغيير طبيعة الإشارة الحسية فمثلاً بدلاً من ربط الرقم اثنان مع الزر الواقع على جهة اليمين، أو بأربعة ومضات من الضوء فقد قاموا بعكس ذلك لفترة ما. والمفاجئة أن الجرذان أدركت مرة أخرى ما يرتبط باثنان أو أربعة. مما يدل على أن إدراك الجرذان للرقم اثنان وأربعة لا يقترن بالتجربة الحسية بل له ترميز معين.  غير أن عقول الحيوانات لا تستوعب الأرقام بالطريقة الدقيقة التي نمثل فيها الأرقام بالرموز الكثيرة التي نعرفها من آلاف وملايين. حتى نحن لا نستطيع أن نستوعبها كما هي ممثلة بنظام الأعداد. ما يحدث هو أن أذهاننا كسائر الحيوانات الأخرى القادرة على ذلك، تستطيع تمييز الأرقام البسيطة مثل 1، 2 أو 3 بشكل حاسم وسريع، لكن حينما يكبر الرقم فإن ما يستطيع الدماغ فعله هو تمييز الكميات بشكل ضبابي، فمثلاً يمكن للحمامة أو الفأر تمييز أن 45 أكبر من 20، لكن لا يمكنهما ولا يمكن حتى للإنسان أن يميز لوهلة بأن 49 أصغر من 50، لاسيما حين تكون ممثلة بعدد من الأجسام.  لكن لماذا تمتلك الحيوانات مهارات الحساب تلك؟ السبب أن ذلك يمثل ميزة للبقاء. الكلب الجائع القادر على تمييز أن الطبق الكامل أكبر من نصف الطبق سيستطيع الحصول على كمية أكبر من الغذاء. والسنجاب الذي يدرك أن كومة تتكون من أربع قطع جوز هي أكبر من جوزتين سيحصل على كمية أكبر من الغذاء أيضاً.  الآليات العصبية لإدراك الأرقام لم تفهم في الإنسان فحسب بل أيضاً في الحيوانات. ريتشارد ثومبسون (Richard Thompson) عالم الأعصاب من جامعة كاليفورنيا سجل لأول مرة في الستينات نشاط عصبونات معينة في قشرة دماغ القطط حينما كانت القطة تشاهد ومضات من الضوء بعدد معين أو تسمع أصواتاً بعدد معين. أحد تلك العصبونات مثلاً أظهر إشارة بعد حصول ست إشارات سواء كانت ومضات للضياء أو أصوات قصيرة أو أصوات طويلة.  لا يختلف الأمر كثيراً لدى أطفال البشر فإذا زاد العدد قلت الدقة. ففي تجربة أجريت عام 1967 على يد كل من ميهلير وبيفير وضعوا فيها صفين من قطع حلوى ام اند ام بأربع قطع لكل صف، لكن حين قاموا بتقصير أحد الصفين ووضع قطعتين اضافيتين كان الأطفال بعمر ثلاثة إلى أربعة سنوات يفضلون الصف الآخر الذي يبدو أطول رغم أن فيه أربعة قطع فقط. مما يشير إلى أن الأطفال فهموا حس الحجم والمساحة ولم يفهموا العدد. بالمقابل فإن الأطفال بحسب تجربة أخرى كانوا قادرين على تمييز أن الرقم اثنان أصغر من ثلاثة حتى وهم بعمر أيام بعد الولادة. التجربة للأطفال بهذا العمر صممت بعناية وأخذت بنظر الاعتبار الموقع والطول بحيث لا يختار الأطفال الصف الأطول مثل التجربة السابقة، كان الأطفال ينظرون الى الشاشة وتظهر أمامهم أجسام مختلفة، جسمين أو ثلاثة، ويتم الحكم على ردود أفعالهم من خلال . وفي تجربة أخرى كان يتم عرض دبين واخفاءهما، وقد لوحظ أن الأطفال الرضع يطيلون النظر ويدهشون حين ظهور حالة مستحيلة وهي 1+1 = 1 وقد ثبت في التجربة أن الأطفال قادرين على فهم أن 1+1=2. فهمنا للأرقام بحسب فلسفة الكتاب يعتمد إلى حد ما على كونها كميات أو أحجام مرئية. نعم نحن نستطيع التمييز والحسم بين رقم كبير معين وآخر أصغر منه بفارق واضح لكن من الصعب الحسم بين مجموعة من الأجسام أحدهما يحمل 49 جسماً والأخر 52 مثلاً. يذكر الكتاب تجارب حول الأخطاء في الحساب أو في تقييم الأكبر والأصغر فيتضح أننا لا نخطئ في الأرقام الصغيرة إلى حد معين مثل 3-4 لكن الأخطاء تبدأ بالزيادة حين نتحدث عن أرقام مثل 9-10 وكذلك الحال في التجارب التي تقوم على الوقت الذي يستغرقه الدماغ لانجاز حل مسألة رياضية معينة ومراقبة التصوير الدماغي أثناء ذلك أو مجرد حساب وقت الحصول على الإجابة الذي يحدث بفارق شاسع بين الأرقام الصغيرة والأرقام الأكبر بقليل مما يشير إلى ما يشبه الحاسة في التعامل مع الأرقام إلى حد معين وبشكل معين لكن ليس مع الأرقام الكبيرة. بذات الهيئة، نحن نفهم بعض أنظمة الأرقام كالتقويم وفئات النقود التي تتوزع بشكل متزايد مثل 1، 2، 5، 10، 20، 50، 100، 200، 500 وهكذا لتوافق حاسة العدد لدينا.  تفاعل الأرقام لدينا مع اللغة يعكس أيضاً الأرقام التي نفهمها بشكل فطري، أو كحاسة للعدد، حيث أن هناك تمثيل قواعدي للمثنى والمفرد من جهة والجمع من جهة في اللغة العربية وهذا المثال نذكره نحن وليس من الكتاب. أو ما يذكره الكتاب من كلمات مثل ثنائي وثلاثي بالضد من كلمات حول الجمع بشكل عام. يذكر الكتاب أن كلمة ثلاثة قد تكون في اللغة الهندوأوروبية الأولية تعني الكثرة والجمع ليس إلا ومن ترسبات ذلك بقاء كلمات مثل tres بالفرنسية وتعني اليوم جداً مما يعني أن الأرقام كانت فقط واحد واثنان ثم "كثير" او "جمع" وهذا ما يمكن ملاحظته بلغات بعض القبائل التي لا تمتلك اعداداً في لغتها اليوم.  الأرقام بالشكل الذي نعرفه اليوم تعد بشكل ما مفهوم لغوي. طول الكلمة له دور في طبيعة الحساب حتى، ومن القضايا المثيرة للاهتمام في الكتاب هي طول لفظ كلمات الأرقام وثمن ذلك على الحساب بلغة معينة حيث يصبح الحساب أصعب لأن خزن تلك الأرقام في الذاكرة قصيرة الأمد يكون أقل كفاءة مع طول لفظ الكلمات. يذكر الكتاب تجارب تقارن بين سرعة ودقة الحساب لدى متكلمي الصينية بالضد من الويلزية حيث تكون الأرقام طويلة جداً والإنجليزية التي تقع ما بين الاثنين. مدى الذاكرة او memory span يلعب دوراً أيضاً في قدرة الحساب الفوري التي يناقشها الكتاب أيضاً بإسهاب ويناقش آلياتها العصبية. لن نتطرق إلى مواهب الحساب الخارقة وتفسيرها في الكتاب ونترك ذلك لمن يريد قراءة الكتاب، لكن يتطرق الكتاب إلى مواهب أغرب ذات صلة بالأرقام مثل شخص يبلغ من العمر 14 سنة وهو قادر على تذكر التقويم الغريغوري يوماً بيوم. بالتأكيد هذه ليست موهبة فطرية حيث لا يوجد شيء يستدعي من الدماغ أن يعرف ما هو ديسمبر كما يقول الكتاب.  استعراض احدى المواهب الغريبة تلك كان يدعو للذهول بالفعل. يسرد الكتاب حواراً بين أستاذ جامعي يدرس إحدى تلك المواهب، يسأل الأستاذ الطالبة عن ناتج طرح ثلاثة من أربعة فتعجز عن الإجابة، فيعيد صياغة السؤال بعدة طرق وتفشل، ثم يسألها عن أيهما أكبر وتعجز عن فهم مفهوم أكبر وأصغر. ثم سألها عن كم رقم بين ثلاثة وأربعة فعجزت عن الإجابة. السؤال الأخير المذهل كان حول ضرب رقمين من المليارات، فأجابت فوراً. فسألها كيف عرفت ذلك؟ قالت أنها تتذكر كل الاحتمالات الممكنة للضرب.  كما ذكرت، فإن هذا جانب يسير مما في الكتاب، وندعو لقراءته بالدرجة الأساس للاطلاع على كل ما فيه.   
الأشباح بين الشرق والغرب: لقاء مع كيني بيدل المحقق والمشكك26 Jun 202300:55:58
معنا في هذه الحلقة من البودكاست كيني بيدل المشكك ورئيس قسم التحقيق في مجلة سكيبتكال انكويرر وقد بدأ مسيرته كصائد للأشباح لكنه انتقل الى التشكيك لاحقاً، مرحبا بك معنا كيني هل يمكنك ان تعرفنا برحلتك وكيف وصلت الى ما انت عليه الآن؟ شكرا لاستضافتي، من الجيد أن أكون معكم. كانت رحلتي طويلة جداً، بدأت كصياد أشباح. نشأت في منزل كاثوليكي، لذلك كانت لدي هذه المعتقدات الروحية التي جعلت احتمالية الحياة الآخرة واردة لي. كنت دائمًا مهتمًا بالأشباح والوحوش. نشأت وأنا أشاهد برامج تلفزيونية في الولايات المتحدة مثل "البحث عن" (In Search Of )، وآخر يسمى ألغاز غير محلولة (Unsolved Mysteries). لقد كانت أشياء مثيرة للاهتمام حقًا بالنسبة لي أثناء نشأتي. لم يكن لدي أي قدرة على التحقق من الحقائق في ذلك الوقت. لذا، عندما شاهدت هذه السلسلة، أخذتها على محمل الجد. "هناك وحشًا في البحيرة؟" سأوافق على ذلك فوراً. عندما كبرت وتزوجت – تزوجت في عام 1997، وكهدية زفاف لنا، اشترينا أول كمبيوتر منزلي. كان الإنترنت جديدًا تمامًا، لذا، فإن أول شيء فعلته هو: البحث عن الأشباح. أردت أن أرى ما كان يقوله الناس، ما الذي يحدث. وجدت مجموعة اجتمعت معًا في منطقتي وكانوا يذهبون إلى منازل مسكونة ويتحققون مما يجري وكنت مندهشاً جداً من إمكانية فعل ذلك، هل يمكننا حقا أن نفعل هذا؟ هل يمكنني الانضمام إلى المجموعة بالفعل؟ هذا ما فعلته، انضممت إلى المجموعة. خرجت معهم إلى أماكن كالمقابر أو المنازل المسكونة أو المواقع التاريخية. لكن، كلما تعلمت أكثر، كلما كنت أقول "حسنًا، كما تعلمون، بعض هذه الأشياء رائعة حقًا، وبعضها اعتيادي" واعتقدت أن الصور الشاذة مثل كرات الضوء أو الأشكال الضبابية أو الظلال كلها أشباح. في أحد الأيام كنا في جيتيسبيرغ، بنسلفانيا، والتي كانت جزءًا من الحرب الأهلية. كان هناك 51 ألف ضحية، لذا فهي نقطة ساخنة لأي من صائدي الأشباح. مجاميع صيد الأشباح في المنطقة كانت تحب الذهاب إلى هناك. بالنسبة لي فأنا أذهب للتاريخ، لكن غالبية الناس يذهبون لقصص الأشباح. لذلك، ذهبت مع مجموعتي لحضور أحد مؤتمرات الأشباح، وكان هذا أوائل القرن الحادي والعشرين. خرجنا إلى ساحة المعركة وسمعنا من المحليين أن هذا مكان لن يذهب إليه أي من المسؤولين عن المكان لأنهم كانوا خائفين منه. رأوا الأشباح والظلال واشياء كهذه فيه. لذا، فقد علمنا عن ذلك، وكان هذا هو المكان الذي عزمنا الذهاب إليه. كنت برفقة مجموعة صغيرة من الناس في الغابة. كنا ننتظر بصبر. انه مظلم، وهادئ. وبينما كنا ننتظر حدوث شيء ما، نظرت إلى ما وراء خط الأشجار في حقل مفتوح بجانبه طريق ورأيت ثلاث سيارات تسير على الطريق. قلت إن هذه مشكلة كبيرة، خرج من كان بالسيارات، وبدأوا بالمشي في الحقل المفتوح ولم يكن بعيدًا عنا. رأيت مشاعل كهربائية، ومسدسات لقياس درجة الحرارة، ومؤشرات ليزر - كانوا يلعبون بمؤشرات الليزر، وهذا ما نفعله بمؤشرات الليزر - وكانوا يُحدثون الكثير من الضوضاء، وبدأت أشعر بالغضب من هذا لأنهم كانوا مزعجين ويشوشون على ما كنا نفعله وكنا جادين فيما نفعل. بدأوا يقتربون، يسيرون باتجاهي، اعتقدت "أنهم سيجدوننا، وسوف يسألوننا عما نفعله، وينضمون إلينا"، لكنني لم أرد ذلك. هذه أرضنا ولا أريد أن أشاركها. كلما اقتربوا، أصبحت أكثر توتراً، ثم فقدت أعصابي، خرجت من الغابة وبدأت بالصراخ عليهم: "اخرس، استدر وابتعد، هذا مكاننا، اتركنا وشأننا". لدهشتي، توقفوا جميعًا واستداروا وعادوا إلى سياراتهم وانطلقوا بعيدًا. في صباح اليوم التالي، نهضنا وتوجهنا إلى المؤتمر. كنا في الردهة وكنا نتحدث إلى مجموعة من الناس. ثم بدأنا بالتحدث إلى مجموعة من الأشخاص الذين رأوا شبحًا الليلة الماضية. بدأنا الحديث، وطرح الأسئلة، وعرفنا أنهم كانوا في مكان يسمى حقل القمح، وقلت "هذا رائع، هذا هو المكان الذي كنا فيه". كنا بجوار الحقل الذي كانوا فيه! ثم سألت "في أي وقت؟"، قالوا إنها الساعة الثامنة أو نحو ذلك. قلت: "هذا رائع، كنا هناك في ذلك الوقت". انتظر لحظة، كنا هناك أيضاً، فلماذا لم نر هذا؟ وبعد ذلك، ذكر المصباح الكهربائي فوق رأسي فقلت: "أعتقد أنك رأيتني!" قالوا "لا، لقد كان شبحاً حقيقيًا". ثم سألت إذا كان "خرج وبدأ بالصراخ عليك". قالوا "نعم، لكننا لم نستطع فهم ما كان يقوله ولم يكن أنت". لقد كنت أنا! وقد وصفت مصابيحهم اليدوية، وأشعة الليزر الخاصة بهم، وعدد الأشخاص، وعدد السيارات. لقد وصفت لهم كل هذه المعلومات. كانوا مع ذلك مصرين على أنه ليس أنا. ثم أصيبوا بالجنون، وأخبرني أحدهم "توقف عن سرقة الأضواء منا"، لأن الجميع بدأ يستمع إليهم حيث أنهم الوحيدون الذين جاؤوا من الليلة الماضية بقصة شبح. لقد كانوا غاضبين لأنني كنت أسرق الأضواء منهم وأحد من شعبيتهم. ثم قلت: "نحن جميعًا صيادون أشباح هنا، نحن في الجانب ذاته، وأنا أخبرك بما حدث بالضبط. كنت هناك وأخبرك بكل هذه المعلومات ولكنك تتجاهلها وتذهب لما تعتقد به!" في الأسبوعين التاليين، أعدت تقييم ما كنت أفعله. أدركت أنني تجاهلت أشياء كثيرة لأنني أردت التمسك بإيماني. كلما أدركت ذلك، زادت رغبتي في التعرف على العلوم والمنهج العلمي لذلك. لذا بدأت في قراءة الأدبيات المتشككة، ووجدت مجلة سكيبتكال انكويرر (Skeptical Inquirer)، وهي دائرة كبيرة، ثم وجدت أعمال بنيامين رادفورد وجو نيكيل. لقد كانوا يقومون بعمل ممتاز، لم يكن ما يقومون به مجرد تحقيق. بالنسبة لي التحقيق هو مجرد الخروج والجلوس في الظلام، بانتظار حدوث شيء ما. كانوا في الواقع يحققون في الادعاءات، ثم يتوصلون إلى استنتاج بناءً على جميع المعلومات التي لديهم. اعتقدت أن ذلك كان رائعًا لذا تعلمت المزيد عنهم. في النهاية، انتقلت إلى الجانب المتشكك، ولأنني كنت أيضًا مولعاً بالتصوير، فقد اكتشفت كيفية حدوث كل الحالات الشاذة التي نحصل عليها بالصور والتي يعتبرها بعض الناس أشباحًا. لقد اكتشفت كيف تم إنشاؤها وكيف يمكنك الحصول عليها عن طريق الخطأ أو عن قصد. جو نيكل محقق ومشكك ثم بدأت في التواصل مع أشخاص متنوعين، وتواصلت مع بن رادفورد واقترح أن أكتب في النشرة الإخبارية الخاصة بسكيبتيكال إنكوايرر، والتي كانت تسمى "ملخصات متشككة" (Skeptical briefs). كتبت لهم مقالتين أو ثلاثة. ثم بدأت الكتابة للنسخة الإلكترونية، ثم قال لي باري كار الذي هو مديري الآن: "هل تريد كتابة عمود؟" وبدأت بالقيام بذلك. ثم أرادوا أيضًا معرفة ما إذا كان بإمكاني إنشاء مقاطع فيديو، لذلك بدأت في إنتاج مقاطع فيديو لهم. ثم استقال جو نيكل، الذي كان يحقق في الادعاءات ما دمت على قيد الحياة، من هنا، وكان هناك موقف هنا يريدون الاحتفاظ به. لذا، تقدمت بطلب، وقالوا: "نعم، نحن نحب عملك، ونحب ما تفعله" وها أنا ذا، أنا في مقر سكيبتكال انكويرر. هذه قصة رائعة، وأعتقد أنه سيكون أكثر إثارة للاهتمام إذا كان بإمكانك مشاركة بعض صورك [علّق كيني بأنه لا ينشر أعماله، وصورته لإعادة إنشاء صور الأشباح كلها في موقع Skeptical Inquirer] ما هي استراتيجيتك عند التحدث مع شخص يدعّي أنه قد شاهد شيئًا خارقًا؟ أول شيء أن نصغي إليهم، لا أن ننفي ما يقولون فوراً، لأنهم مروا بشيء ما، رغم أننا لا نعرف حتى الآن ما هو. يفسرونه على أنه شبح أو ظل أو وحش، لكن هل نعرف ذلك حقًا؟ أريد أن أستمع إلى قصصهم وأن أسأل وأستوضح التفاصيل. سؤالي للمتابعة بالنسبة لشخص يدعّي أنه رأى شبحًا في ثوب هو السؤال عن طبيعة الثوب مثلاً. أحاول ألا أعطيهم أي نوع من التوصيفات. لا أريد أن أضع مصطلحاتي في أفواههم. أحاول إجراء مناقشة بدلاً من إخبارهم، وربما أعطي تلميحات حول ما أعتقد أنه قد يكون، وجعلهم حقًا يصلون إلى نتيجة. أحد التمارين التي أقوم بها هو أن أقول: حسنًا، لقد تحدثنا عن تجربتك، تعتقد أنه شبح، ماذا لو وضعنا ذلك جانبًا وفكرنا في احتمالات أخرى لشرحها دون استدعاء الخوارق. بمجرد أن نصل إلى هذا الجانب، يأتون بالعديد من التفسيرات بأنفسهم. عندما يفعلون ذلك بأنفسهم، فإن ذلك يكون له تأثير أكبر على تفكيرهم، وهذا هدفي: تحسين جودة تفكيرهم. يعود الأمر حقًا إلى الاستماع، لأنني رأيت مرات عديدة شخصًا لديه تجربة غريبة، أو تجربة غريبة لا يمكنهم فهمها ولا يعرفون إلى أين يتجهون. بعد ذلك، يتواصلون مع شخص ما في المجتمع المتشكك. بدلاً من إجراء محادثة حوله، في بعض الأحيان يخبرونهم فقط أنهم يهلوسون أو أنهم أغبياء. لا أستطيع تحمل ذلك الأسلوب، لأنه لا يبني علاقة صحيحة. إنه يجعلهم يكرهوننا أكثر، والعكس صحيح. أفضل نصيحة هي: كن لطيفًا، وتحدث عن الأمر، وأعرف ما إذا كان بإمكانك الوصول إلى نتيجة مشتركة بناءً على التفكير حقًا في الأمر. إذا لم تتمكن من التوصل إلى استنتاج، فإن أفضل إجابة هي "لا أعرف"، فالأمر بهذه البساطة، بدلاً مما يفعله بعض الأشخاص من كلا الجانبين، لتكوين بعض التفسيرات لتبرير تفسيرهم أو تبرر إيمانهم بالأشباح. توقف عن اختلاق الأشياء، عندما لا تعرف، فقط قل "لا أعرف". هناك نسخة عربية قبل الإسلام من الأشباح، حيث كان العرب يخافون من الذهاب إلى منطقة ما في الصحراء حيث توجد منازل قديمة فارغة لأنهم اعتقدوا أنها مسكونة من الجن. أصبح هذا الاعتقاد فيما بعد النسخة الإسلامية من الأشباح. لكن لا يمكنني الادعاء بأن هذه هي الخرافة الأكثر شيوعًا في المنطقة. أتذكر أنني أجريت محادثة حول البدر مع امرأة أمريكية تحدثت عن هذا الاعتقاد في الثقافة الأمريكية، لكنني أخبرتها حينها أنه ليس هو نفسه هنا، ولن يحدث شيء سيء لأن لا أحد يؤمن بذلك. لذلك يمكنني القول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن الخرافات الطبية والعلوم الزائفة هي أكثر أشكال المعتقدات غير العلمية شيوعًا. هناك صناعة كاملة للطب البديل: من المعالجين إلى الأدوية. قد يكون هذا سببًا لوجود اختلاف في توزيع هذه المعتقدات. يمكنني أيضًا أن أذكر - لقد ذكرت نسختنا من الأشباح - مجموعة واسعة من المعتقدات حول الحسد أيضًا. لذا، إذا كنت أرغب في إعداد قائمة بهذه المعتقدات، فسأقول إن هناك أشياء تتعلق بالطب، وأشياء مرتبطة بالدين مثل الادعاء بأن الدين يتفق مع العلم، والأشياء المتعلقة بالعين والحسد. هل يمكنك عمل قائمة مماثلة لأكثر المعتقدات الخرافية شيوعًا في الغرب أو على الأقل في الولايات المتحدة؟ [17:00 - 18:30 لم أكن دقيقًا جدًا هنا، حيث ذكرت مزيجًا من العلوم الزائفة والخرافات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا]. هناك العديد من الثقافات في الولايات المتحدة، وهناك معتقدات مختلفة وخرافات مختلفة في أجزاء مختلفة من البلاد. بعض الأشياء الشائعة التي لدينا، لقد ذكرت البدر، حيث يعتقد الناس أن المزيد من الإصابات ستحدث عند اكتمال القمر، أو يصبح الناس مجانين أو أكثر جنونًا عند اكتمال القمر. هناك اعتقاد شائع بأن الأشياء تحدث في مجموعات ثلاثية، لذلك إذا حدث شيء سيء، يتوقع الناس شيئين آخرين على الأقل سيحدث ذلك، لكنهم لا يحسبون حقًا إذا حصلت على أربعة، ثم يبدأون واحدًا آخر، لذلك هناك دائمًا مبرر. لقد ذكرت الطب، لدينا مشكلة كبيرة مع المعالجة المثلية هنا، وهي ليست دواء ولكن الناس يحبون استخدامها، والترويج لها كشيء يعالج أي شيء من نزلات البرد إلى السرطان، وهي في الأساس متشابهة، إنه ماء يسقط على حبة سكر ويبيعونها مقابل الكثير من المال. عادة ما تكلف أكثر من التكلفة الفعلية للأدوية. لكن هناك ادعاءات بأنه يشفي الناس وكل هذا "طبيعي"، لذلك يؤمن الناس بذلك. لدينا أشياء مثل الطابق 13، وهناك الكثير من المباني التي لا تحتوي على طابق 13. لديهم ذلك، ولكن عندما تدخل المصعد، فإنه ينتقل من 12 إلى 14. لذلك تخرج في الطابق الرابع عشر، ولكن من الناحية الفنية تكون في الطابق الثالث عشر. مصعد دون الرقم 13 لدينا أيضًا خرافة حول أن سوء الحظ الذي يأتي من السير تحت سلم. هذه خرافة كبيرة، لا تمشي تحت سلم، لا يمكن أن تعترض قطة سوداء طريقك لأن هذا حظ سيئ. يواجه الناس سوء الحظ بالطرق على الخشب. أنا لست محصنًا من الخرافات أيضاً، لديّ خرافات عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا، عندما أذهب إلى المتجر لشراء شيء من أي نوع من التكنولوجيا،
كتاب البقاء للأشد مرضا03 Jun 202300:21:43
عمر المريواني. قراءة في كتاب البقاء للأشد مرضا من ترجمة رغد قاسم الكاتبة والمترجمة في العلوم الحقيقية وهو من تأليف شارون معلم (Sharon Moaelm) الطبيب الأمريكي الكندي المختص بالجينات العصبية والتمايز بين الجنسين والأمراض النادرة والتكنلوجيا الحيوية ومجالات متعددة، وجوناثان برينس. اول مجال غير متوقع يطرحه الكتاب – وهذه هي خاصية الكتاب بالحديث عن بعض الامراض بشكل لا نتوقعه في زمن آخر – هو السكري من النوع الأول والذي قد لا يخطر لأحد أنه قد يكون نافعاً. يذكر الكتاب أن معظم مرضى السكري يتم تشخصيهم في الأشهر الباردة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، أي يزداد العدد بين نوفمبر وفبراير. ثم يتكلم عن عامل التخثر الفايبرينوجين والذي يصل لذروته في الأشهر الباردة لدى البشر، ويذكر أيضاً دراسة حول قدامى المحاربين الامريكان الذين أصيبوا غالباً بالسكري من النوع الأول في الأشهر الباردة. وكذلك تزداد مقاومة الانسولين في الأشهر الباردة مما يعني ان النوع الثاني أيضاً تزداد الإصابة به في الأشهر الباردة وليس النوع الأول فحسب. نظرية الكاتب حول السكري تتمحور حول قصة يطرحها عن الضفادع، أو نوع معين من الضفادع، الذي يقوم بطرح الماء وملأ جسمه بالسكر كستراتيجية لحماية نفسه من التجمد. وتكمن الفائدة هنا للبشر – لو صحت الفرضية – بأن للسكري دور لحماية بعض الأفراد في العصر الجليدي من التجمد. يقول الكاتب: هل هي مصادفة أن أكثر الناس المصابين بالمرض الوراثي [يقصد السكري من النوع الأول] الذي يتميز بالضبط بالافراط بالتخلص من الماء وارتفاع مستوى السكر في الدم ينحدرون من الأماكن التي دمرها الظهور المفاجئ لعصر جليدي تقريبا قبل 13 الف سنة؟ قد يتساءل أحدهم كيف يمكن للسكري من النوع الأول أن يكون امتيازاً تطورياً، فنحن نتكلم هنا عن فترة قاسية جداً، حيث تعد الحياة لبضعة أشهر او عدة أسابيع امتيازاً. نحن لا نتكلم هنا عن معدل الوفيات أو متوسط عمر الوفاة الحالي. في العصور القديمة كان متوسط عمر الوفاة قد يصل إلى 30 سنة أو أقل حتى في العصر الجليدي.  الأمر الثاني الذي يشير له الكتاب ليس مرضاً، لكنه مرتبط بالبيئة أيضاً، ويتحدث عن دراسة جمع فيها عالمان معلومات لدراسة العلاقة بين لون البشر وأشعة الشمس في المنطقة. وتوصل الباحثان إلى أن أي مجموعة بشرية ستغير لونها حتماً خلال 1000 سنة من هجرتها إلى منطقة جديدة ذات معدل إشعاع شمسي يختلف عن المنطقة السابقة. وقد أنتج العالمان معادلة ثابتة لذلك.  ثم يشرح حالة أخرى قد لم يسمع بها البعض لكننا على الأرجح مررنا بها وهي حالة العطاس بعد الخروج من منطقة مظلمة إلى أشعة الشمس. يشرح الكاتب أن ذلك قد يكون تكيفاً لدى أسلافنا للتخلص من الطفيليات في الأنف بعد التواجد في كهف مظلم لفترة ما عبر العطاس.  الصفة الأخرى التي يتحدث عنها هي الشعر الكثيف كاستراتيجية للحماية من الملاريا وتشيع هذه الصفة في شرق حوض البحر المتوسط. والتي يقابلها في الأفارقة الذين لا يمتلكون هذه الصفة، صفة أخرى وهي فقر الدم المنجلي والذي يوفر بعض الحماية من الملاريا.  يذكر الكتاب أيضاً حالة أخرى مؤسفة وتتعلق بجانب مظلم من تاريخ البشر حول العبودية، لاسيما العبودية في الولايات المتحدة لآخر 500 سنة. يعاني الأمريكيون الأفارقة من معدل أعلى للإصابة بارتفاع ضغط الدم بالمقارنة مع أقرانهم في أفريقيا مما لا يوجد سبب واضح لتفسير وجود هذا المرض لديهم. السبب قد يكون مرتبط بقلة الطعام والماء في سفن نقل العبيد والتي قد تجعل الميل للإحتفاظ بمعدلات عالية من الملح صفة تساعد على الحياة في تلك السفن. إذا كان هذا صحيحاً فإن تجارة الرقيق قد تكون أنتجت انتقاءاً لهذه الصفة مما يترك الأمريكيين الافارقة تحت خطر أعلى للإصابة بارتفاع ضغط الدم حين تناول الحمية الحديثة الغنية بالملح.  الصفة الأخرى التي يذكرها الكتاب هي سرعة استقلاب الأدوية التي قد تكون موجودة في البيئات عالية السمية للتخلص من السموم والتي ترتبط بتواجد نسخ جين معين. يمتاز الاثيوبيون مثلاً بامتلاك نسبة أعلى بكثير مما يمتلكه الأوروبيون من تواجد نسخ ذلك الجين. بالطبع قد يؤدي الأيض السريع لبعض المخاطر حين أخذ بعض الأدوية احياناً مثلا قد يتحول الكودين بمعدل أعلى إلى المورفين لديهم. يتكلم الكتاب أيضاً عن أمر مثير للاهتمام في العلاقة بين النباتات ومفترساتها من الحيوانات. تزيد نسبة الاستروجين النباتي في بعض النباتات في الأوضاع البيئية الصعبة التي يمر بها النبات لحماية نفسه من المفترسات كالخراف عبر التسبب لها بالعقم. ويذكر الكاتب أزمة عقم مرت بها الخراف في استراليا حين تناولت البرسيم الأوروبي الذي عانى من صعوبات في المناخ الأسترالي بالمقارنة مع بيئته الأصلية، وبالتالي فقد تسبب بالعقم لدى الخراف.  بذات الهيئة تتسبب النباتات بالكثير من حالات التسمم للبشر وتتسبب تلك السموم بالكثير من أنواع السرطان نتيجة لتلك السموم. ويطور البشر آليات لتحسس تلك السموم، وينتقل الكاتب هنا الى قدرات التذوق الخارق للبشر، حيث يستطيع ربع البشر تذوق المرارة بشكل دقيق جداً من مادة تسمى بروبيثايروسيل يمكن بواسطتها معرفة أولئك المتذوقين الخارقين. تعد تلك الصفة، مؤشراً على القدرة العالية على تحسس السموم.  المقوسات الغوندية تمتلك أيضاً علاقة معقدة مع الكائنات الحية لاسيما مع القطط والبشر والفئران. تتسبب المقوسات الغوندية للفئران بحالة تشبه الفصام تؤدي بهم إلى الانجذاب للقطط وبذلك يضمن الطفيلي استمرار دورة حياته بين مضيفيه القط والفأر. وإذا صح أن تلك الحالة يمكن أن تؤثر على البشر فإن ذلك يشرح القصة التقليدية حول "سيدة القطط المجنونة" والتي تصف امرأة لا يعتقد الناس أنها بكامل قواها العقلية وهي تربي الكثير من القطط. وقد يفتح ذلك ايضاً الآفاق لمعالجة الفصام بأدوية معالجة المقوسات.  الميتوكوندريا ووجودها في البشر قد تكون أيضاً عبارة عن حالة أصابت الكائنات الحية سابقاً لتؤدي لفائدة متبادلة بين البكتيريا التي اندمجت في الخلايا لتمثل الميتوكوندريا اليوم – والتي يعتقد أنها كانت كائن منفصل – مع الكائنات الحية في حينها.  اقرأ: أمراض الميتوكوندريا.. العالم المنسي اقرأ أيضاً: رحلة في أبحاث نسخ الحمض النووي للميتوكوندريا مع الباحث علي البهادلي  لا يقتصر الكتاب على المفاهيم الجينية التقليدية بل يتكلم عن الحالات ذات الصلة بالتخلق، ما فوق الجينات، ويشرح حالات تأثر الجنين في الفئران ومستقبل الجنين بتغذية الأم والتي وجد أن لها ذات الأثر في الخراف. كما يشرح الكتاب كيف يؤثر تأثير الأب أو الأم أو حتى الجدة على الأطفال ومستقبلهم من قبيل إصابتهم بالسمنة أو الربو. يبعث التدخين إشارة جينية إلى سوء البيئة  مخاطرها مما يعطي ايعازاً بحفظ المزيد من الدهون وبنمط تغذية مقتصد عبر التغير الجيني الحاصل بسبب التغذية أو التدخين. ويشرح الكتاب أيضاً عن المجاعة الهولندية التي تطرقنا لها في مقال السكري من النوع الثاني: امتياز تطوري أم لعنة للحياة الحديثة. المقوسات الغوندية هي ما ذكرناه اقرأ: التخلق، ما فوق الجينات السكري من النوع الثاني: امتياز تطوري أم لعنة للحياة الحديثة رابط الاستماع على موقع العلوم الحقيقية (لمراجعة الروابط أيضاً): https://real-sciences.com/?p=29966 رابط الكتاب على موقع Good reads رابط الكتاب على امزون رابط الكتاب على نيل وفرات روابط الاستماع: سبوتيفاي جوجل بودكاست يوتيوب
من الربداء الرشيقة الى السلمندر: مع الدكتور أحمد عليوة حول الكائنات النموذجية للتجارب والأبحاث RS1525 Feb 202300:48:33
ضيفنا لهذه الحلقة هو الدكتور أحمد عليوة، درس التكنلوجيا الحيوية في جامعة القاهرة بين الأعوام 1997 و 2001 ليغادر نحو الولايات المتحدة بعدها لدراسة الماجستير حيث درس بمختبر كريغ ميلو (Craig Mello's lab, University of Massachusetts Medical School) ورسالة الماجستير خاصته كانت بعنوان دور ترميز الحمض النووي بتمييز الأديم في دودة الربداء الرشيقة (C. Elegans) وقد أنهى دراسة الماجستير هناك في العام 2007 ثم شرع بدراسة الدكتوراه في ذات المختبر وكانت أيضاً دراسة الدكتوراه له حول أحد البروتينات لدى أجنة دودة الربداء الرشيقة. أنهى دراسة الدكتوراه في العام 2014، ليتجه الى السويد حيث يعمل زميلاً لأبحاث بعد الدكتوراه في مؤسسة كارولينسكا. الرابط على موقع العلوم الحقيقية: https://real-sciences.com/?p=28035 على جوجل بودكاست على آبل بودكاست نشرنا نص اللقاء في العدد 54 من مجلة العلوم الحقيقية وأدناه نص الحوار: ضيفنا لهذه الحلقة هو الدكتور أحمد عليوة، درس التكنولوجيا الحيوية في جامعة القاهرة بين الأعوام 1997 و 2001 ليغادر نحو الولايات المتحدة بعدها لدراسة الماجستير حيث درس بمختبر كريغ ميلو (Craig Mello's lab, University of Massachusetts Medical School) وكانت رسالة الماجستير خاصته بعنوان "دور ترميز الحمض النووي بتمييز الأديم في دودة الربداء الرشيقة (C. Elegans)" وقد أنهى دراسة الماجستير هناك في العام 2007 ثم شرع بدراسة الدكتوراه في ذات المختبر وكانت أيضاً دراسة الدكتوراه له حول أحد البروتينات لدى أجنة دودة الربداء الرشيقة. أنهى دراسة الدكتوراه في العام 2014، ليتجه إلى السويد حيث يعمل زميلاً لأبحاث بعد الدكتوراه في مؤسسة كارولينسكا. أهلاً وسهلاً بكم د. أحمد.   شكراً لكم، أهلاً وسهلاً بك وبالمستمعين، أضيف فقط للسيرة هو أنني أعمل حالياً كباحث مستقبل في جامعة برشلونة باسبانيا وأقسم وقتي بين ستوكهولم وبرشلونة خلال السنة. ولي خط بحثي في برشلونة يختلف عن الخط البحثي في ستوكهولم إلى جانب بعض التدريس.    كما لاحظنا في سيرتكم الذاتية، ولكل من يقرأ أبحاثكم، سنجد الكثير من الاهتمام بدودة الربداء الرشيقة التي نجد أنها مشهورة جداً حيث ترد في الكثير من الأبحاث وهناك الكثير من الاهتمام حولها في البحث العلمي، فلماذا تعد مهمة؟  تكمن أهمية النماذج الحيوانية بشكل عام في أن معظم التجارب والأسئلة البيولوجية يستحيل دراستها في الإنسان مباشرة، لذا يجب دراستها في كائن يشبه الإنسان إلى حد ما، لكن دون الدخول في تعقيدات أخلاقية أو قانونية بخصوص التجارب على الإنسان. وكذلك فإن الإنسان من أعقد الكائنات التي يمكن دراستها مختبرياً، لذا نلجأ لكائنات ابسط من الإنسان نستطيع من خلالها أن نفهم عمليات حيوية مختلفة، كما يمكن أن نقيس من خلال التشابه مع الانسان ما يمكن أن يحدث مع الانسان.  كانت دودة الربداء الرشيقة كما تسمى باللغة العربية من ضمن الكائنات التي ظهرت على الساحة في أواخر الخمسينات والتي تعد فترة مهمة لأن تركيب الحمض النووي قد اكتشف وتم فهم كيفية حدوث الوراثة وأصبح الهدف هو فهم كيف أن الوراثة والحمض النووي يمكن أن يعملا في الخلية لخلق جنين. ليس هذا فحسب، بل يفعل في الكائن بعد نضوجه للتحكم بسلوكه وتصرفاته بشكل عام. لذا فإن مسألة السلوك والتطور للجهاز العصبي إلى جانب نمو الجنين عقبة كان يجب اقتحامها بعد اكتشاف الحمض النووي، وكان للربداء الرشيقة مزايا غير موجودة في نماذج حيوانية أخرى مثل الفئران أو ذبابة الفاكهة، ومن هذه المزايا بساطة جسم دودة الربداء الرشيقة.  للربداء الرشيقة ألف خلية فقط، وهي شفافة بحيث يمكن تحت المجهر تمييز كل خلية عن الخلية التي بجانبها. ليس هذا فحسب، بل يمكن تتبع ولادة كل خلية من الخلية الأولى، من أين جاءت وكيف تمايزت وما إلى ذلك. لذا كان من الممكن انشاء خريطة دقيقة ومفصلة لكل خلايا الكائن.  كانت الخلايا تنقسم وتتكشف بشكل نمطي جداً لا يختلف من دودة إلى أخرى وبالتالي فقد كان التطور أو النمو يحدث بشكل حتمي (deterministic) أي أن ما يجري على دودة ما، يجري على الديدان الأخرى ايضاً. أضف إلى ذلك أن رغم بساطة الدودة غير أن لديها سلوكيات معقدة مثل البحث عن الطعام أو تمييز الاكل المفيد من الضار أو البحث عن دودة من الجنس الآخر للتزاوج أو الهروب من المخاطر. لذا فنحن نتكلم عن دودة من 1000 خلية هناك 300 منها تشكل الجهاز العصبي، لكن فيها كل التعقيد الذي نتكلم عنه. لذا قرر سيدني برينر (Sydney Brenner) في بريطانيا أن الربداء الرشيقة هي كائن مثالي لدراسة تفعيل المادة الوراثية خلال نمو الجنين وسلوك الكائن بعد اكتمال نموه. وكون برينر مجموعة عمل كان أهم من فيها روبيرت هوروتز (Robert Horvitz) وجون سولستن (John E. Sulston) وقد حصل الثلاثة على جائزة نوبل لاسهاماتهم في مجال الطب والفسلجة من خلال تدشين الربداء الرشيقة كنموذج لدراسة علم الأحياء. وخرج مئات الأبحاث من تلك المجموعة ومئات المختبرات في العالم لدراسة تلك الدودة ولفهم شتى الأسئلة والمسائل البيولوجية إلى يومنا هذا.   قد يسأل سائل، في الوقت الذي يمكن لدودة ان تقدم كل هذا، لماذا هناك من يدرس الفئران، أو من يقوم بإجراء بعض التجارب على الشمبانزي، ما الفرق بين نموذج حيواني كالدودة ونموذج حيواني كالفأر؟  الدودة لها مزايا ولها عيوب ولها عيوب تتكامل مع مزايا وعيوب الفئران والنماذج الحيوانية الأخرى. مثلاً، الدودة الواحدة بعد أن تكون بيضة ثم تفقس خلال 12 ساعة ثم تبيض 300 بيضة خلال ثلاثة أيام. أي أن دورة حياتها قصيرة جداً، وتتكون من بضعة أيام فقط. الفأر يمكن أن يأخذ عدة شهور بعد الولادة لينضج جنسياً، وحتى حين يلد فلن يلد أكثر من مجموعة فئران. في حين أننا في الديدان نتكلم عن دودة إى بضعة مئات من الديدان في بضعة أيام. وبالتالي فإن القيام بالتجارب يعد أسرع بكثير. كما يمكنك وضع 1000 دودة بطبق في درج، في حين أن ألف فأر سيحتاجون إلى ميزانية واكل وأقفاص وغير ذلك. لذا فإن عدد الحيوانات التي يمكن أن تعمل بها في نفس الوقت يختلف. هذه هي مزايا الربداء الرشيقة.  جرى العرف أن حيوان مثل الربداء الرشيقة يسمح بالقيام بتجارب متعددة بنمط سريع، ثم حين نفهم شيئاً، نتسائل: هل سينطبق الأمر ذاته على الفئران؟ السؤال سيكون أكثر دقة هنا أما عيوبها، فهي أننا نتكلم عن دودة، في حين أن الفأر هو حيوان ثدي كالإنسان، وما يكتشف في الفأر غالباً ما يكون أقرب للوضع في الانسان. لذا فإن العرف جرى أن حيوان مثل الربداء الرشيقة يسمح بالقيام بتجارب متعددة بنمط سريع، ثم حين نفهم شيئاً، نتسائل: هل سينطبق الأمر ذاته على الفئران؟ السؤال سيكون أكثر دقة هنا. نفهم شيئاً في الربداء الرشيقة ثم نعيد سؤال السؤال على الفئران، ثم قد نتمكن من طرح نفس السؤال عما سيجري في الإنسان كذلك. نموذج من هذا العمل هو العمل على موت الخلايا المبرمج وقد درسه بوب هوروتز والذي وجد أن في الربداء الرشيقة هناك بعض الخلايا تولد خلال نمو الجنين من انقسام الخلية ثم تموت بعد بضع ساعات، ويحدث الأمر ذاته لذات الخلية في كل جنين ويتم ابتلاعها من الخلايا فأسموه موت الخلايا المبرمج.  كما وجدوا أن في حال حدوث طفرات ببعض الجينات تبقى تلك الخلايا ولا تموت. فعرفوا أن موت الخلايا المبرمج في الربداء الرشيقة هي عملية حيوية منظمة بجينات معينة، ثم تسائلوا، هل تلك الجينات موجودة في الفئران؟ فوجدوا جينات شبيهة لما في الدودة لدى الفئران. ووجدوا الأمر ذاته، حيث الخلل في الموت المبرمج للخلايا ووجدوا صلة ذلك بالسرطان (راجع اللقاء المفصل حول موت الخلايا المبرمج مع الدكتور محمد الربيعي المختص بموت الخلايا المبرمج) حيث تعلم أن فيها مشكلة لكنها لا تستطيع إماتة نفسها حيث تتفاقم المشكلة ويبدأ ورم سرطاني بالنمو. كما وجدوا أن الجينات التي لها علاقة بموت الخلايا المبرمج في الفئران هي ذاتها في الإنسان والتي هي من أهم أسباب حدوث السرطان في الإنسان.  وهكذا يمكن أن نرى كيف جرى الخط البحثي من الربداء الرشيقة ثم الفئران فالإنسان. التكامل بين النماذج الحيوانية شائع جداً في البحث العلمي. هناك من يتخصص بدراسة الفئران أو ذبابة الفاكهة، لكن هناك دوماً انتباه للعلاقة بين تلك الكائنات وما يحدث في الإنسان وغالباً ما تكون بعض الثدييات كالفئران والجرذان هي الجسر لفهم ما يحدث في الإنسان.    نفهم هنا أن الربداء الرشيقة يمكن أن توفر خيار رخيص أو سهل، وبعده يمكن الانتقال لمراحل أخرى.  نعم، مع الاخذ بنظر الاعتبار أن البحث العلمي لا يتصل بالضرورة لإكتشافات طبية تفيد الانسان. أو على الأقل ليس على المدى القريب أو المتوسط. لذا فإن هناك من يدرس سلوكيات الربداء الرشيقة، مثلاً كيف تتحرك؟ كيف تجد الطعام؟ كيف تتصرف خلاياها العصبية؟ وهذا يمكن أن يجعل العلاقة بينها وبين التطبيق الطبي للإنسان بعيد أو غير مرئي حالياً. لكنه مع ذلك يعتبر مفيد، ويعد معرفة مهمة لأنه يفتح أفاق للإنسان لكيفية عمل الجينات وتفعيلها في الكائن.   جرى العرف على ربط البحث العلمي بفائدة تخص الانسان والطب، رغم أن كثير من الباحثين يبحثون دون تحمل عبء إيجاد العلاقة بين اكتشافاتهم والطب، بل يبحثون بدافع الفضول، وبدافع الرغبة في استكشاف المجهول ويتمنون أن اكتشافهم يفيد المجتمع في يوم من الأيام، غير أن الجائزة الكبرى تكمن في نشوة الاكتشاف وفهم أمر جديد لم يفهمه أحد قبلهم، وأنك، ولو لبضع ساعات، تعرف شيئاً لم يعرفه أحد سواك   أحياناً لا يتمركز البحث حول الإنسان، أذكر من حوار مع بيرند هارينريش متخصص بسلوك الحيوانات وقد درس الغربان وطرحت عليه بعض الأسئلة فانزعج من بعض الأسئلة لأنها تتمركز حول الانسان فقال ما معناه أن لا تحاولوا أن تأنسنوا هذه السلوكيات فربما هذا هو مفهومنا فقط لسلوكيات معينة لكنه لا يعني الأمر ذاته بالنسبة للحيوان. ما نفهمه منكم أن النماذج الحيوانية قد تكون نوع من الدراسة الأحياء وهناك فائدة محتملة لها مستقبلاً للإنسان.  صحيح رغم أن العرف قد جرى بمعظم الأحيان أن تبرير التمويل الذي يحتاجه البحث العلمي لابد أن يرتبط بعلاقته بالإنسان وكيف سيفيد المجتمع وكيف سيفيد الطب. يشبه هذا الديباجة في معظم الأحيان بالأطروحات البحثية لتبرير تمويلها من دافعي الضرائب. رغم أن كثير من الباحثين يبحثون دون تحمل عبء إيجاد العلاقة بين اكتشافاتهم والطب، بل يبحثون بدافع الفضول، وبدافع الرغبة في استكشاف المجهول ويتمنون أن اكتشافهم يفيد المجتمع في يوم من الأيام، غير أن الجائزة الكبرى تكمن في نشوة الاكتشاف وفهم أمر جديد لم يفهمه أحد قبلهم، وأنك ولو لبضع ساعات تعرف شيئاً لم يعرفه أحد سواك، مع وجود أمل أن في يوم من الأيام يمكن أن يكون هناك عمل يفيد الإنسان لكن ليس هذا هو الهدف الأساسي رغم أنه قد يظهر بصفته الديباجة الأولى في أي أطروحة بحثية.   كيف يتطور مجال دراسة النماذج الحيوانية؟ وجدنا لكم أبحاثاً حول السلمندر أيضاً فأين تتجهون وأين يتجه هذا المجال؟  هناك نقطة مهمة وهي لماذا التركيز على الربداء الرشيقة في حين أن هناك الآلاف من الديدان التي تمتاز بمميزات الربداء الرشيقة مثل السي بريكسي وهناك فصائل كثيرة تحت جنس الربداء أيضاً. الفكرة، هي أنه قديماً على الأقل، فإن البحث العلمي مكلف وكان من المهم تركيز المعرفة على عدد محدد من الكائنات بحيث لا نحتاج أن نعيد اختراع العجلة لكل كائن يود أحدهم دراسته، لكن هناك حالة من الاستثمار في كائن معين أو عدد معين من الكائنات لأن البحث العلمي مكلف. لكن حدثت في العشر سنوات الأخيرة عدة طفرات في البحث العلمي جعلت من الممكن تحويل أي كائن إلى كائن نموذجي. ماذا يعني كائن نموذجي؟ أي كائن من المفهوم كيفية تربيته في مختبر، ومن المعروف تسلسل مادته الوراثية (sequencing) وطبيعتها. ومعرفة أشياء أساسية عن فسلجته وسلوكه وما ‘لى ذلك. بالإضافة إلى عدد من الأدوات لتعديل المادة الوراثية. تلك التطورات سهلت عملية سلسلة الجينوم ومعرفة المادة الوراثية وخفضت من كلفة وسهلت عملية تعديل المادة الوراثية. وبالتالي، أصبح من الممكن دراسة كائن ما لو كان يتمتع بصفات تستحق أن نفتح آفاق
الانصات لهمسات الكون الاولى: لقاء مع عالم الفيزياء الفلكية سليم زاروبي RS1410 Dec 202200:48:09
لقاء موقع العلوم الحقيقية مع الدكتور سليم زاروبي عالم الفيزياء الفلكية الفلسطيني الرائد في دراسة تطور البنية المعقدة في الكون والمراحل المبكرة من الكون، واحد الرواد والمؤسسين لتلسكوب لوفار (LOFAR) في هولندا. بحثه يتعلق بالسؤال حول كيف انتقلنا من هذا الكون المبكر المتجانس الى هذا الكون المعقد الذي نراه حولنا. وهذا المجال كبير، تخصص في البداية بالمبنى الكبير بالكون بشكل عام ثم في السنوات العشرين الأخيرة انتقل للتساؤل حول  المجرات الأولى والمبنى الأول في الكون الذي تم بعد نصف مليار عام من تكون الكون. تخصصه يكمن في فحص كيفية تكون المجرات الأولى وكيف اثرت على البيئة التي حولها، في الأساس بالتأثير على ما نسميه المادة بين المجرات (Inter-galactic medium) وماذا يحدث لذرة الهيدروجين الموجودة بكثرة في الكون وكيف تتأين..الخ. وقد كان من المبادرين والرواد في هذه طرح هذه الاسئلة والبحث فيها. في عام 2004 بادر مع زميلين من زملاءه الى مشروع كبير مرتبط بالتلسكوب لوفار LOFAR والذي يهدف لفحص هذه المادة – حالة الهيدروجين في الكون المبكر – أي ما حدث له بعد تكون المجرات الأولى، وهذا التلسكوب وأمثاله هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن رؤية الكون بها في هذه الفترة. رابط المقال والبودكاست على الموقع: https://real-sciences.com/?p=19372 نرحب بالدكتور سليم زاروبي الحاصل على جائزة هولمبولت في ألمانيا مؤخراً، مرحبًا بكم دكتور سليم يسرنا ويسر جمهورنا أن نلتقي بكم، وسؤالنا الأول حول مسيرتكم وأبحاثكم والمجالات التي تهتمون بها. شكرًا لكم عمر، أنا فلسطيني من مدينة الناصرة وقد نشأت فيها وتعلمت الفيزياء في جامعات إسرائيلية بطبيعة الحال لأنني من فلسطينيي الداخل، حيث درست في جامعة التخنيون ثم في الجامعة العبرية في القدس حيث أنهيت الدكتوراه هناك وتخصصت في علم الكون بالأساس وتحديدًا حول تطور البنية المعقدة في الكون، كيف نشأت وكيف تطورت. تاريخ كوننا محدود، عمره 14 مليار عام، وفي بدايته كان متجانساً تماماً حيث تكون كل نقطة متجانسة تماماً مع النقطة التي بجانبها من حيث الصفات الفيزيائية لكن مع الوقت تطورت المجرات والنجوم والكواكب السيارة. بحثي يتعلق بالسؤال حول كيفية انتقالنا من هذا الكون المبكر المتجانس إلى هذا الكون المعقد الذي نراه حولنا. وهذا المجال كبير، تخصصت بالبداية بالمبنى الكبير بالكون بشكل عام ثم في السنوات العشرين الأخيرة بدأت اسأل عن المجرات الأولى والمبنى الأول في الكون الذي تم بعد نصف مليار عام من تكون الكون. يكمن تخصصي في فحص كيفية تكون المجرات الأولى وكيف أثرت على البيئة التي حولها، في الأساس بالتأثير على ما نسميه المادة بين المجرات (Inter-galactic medium) وماذا يحدث لذرة الهيدروجين الموجودة بكثرة في الكون وكيف تتأين..الخ. هذا هو مجال تخصصي وهو مجال جديد في العالم وقد كنت من المبادرين له. في عام 2004 بادرت مع زميلين لي إلى مشروع كبير مرتبط بالتلسكوب لوفار LOFAR والذي يهدف لفحص هذه المادة – حالة الهيدروجين في الكون المبكر – أي ما حدث له بعد تكون المجرات الأولى، وهذا التلسكوب وأمثاله هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن رؤية الكون بها في هذه الفترة، فهذا فيما يتعلق بتخصصي. أما الأماكن التي انتقلت فيها وعشت فيها فقد انتقلت بعد الدكتوراه إلى جامعة بيركلي لدراسة ما بعد الدكتوراه وقضيت 3 سنوات هناك. ثم انتقلت لمعهد ماكس بلانك لأبحاث الفضاء في ميونخ حيث قضيت 5 سنوات، ثم انتقلت إلى هولندا لجامعة جرونيجن (Rijksuniversiteit Groningen) عام 2014 وهي ثاني جامعة هولندية بتاريخ الجامعات في هولندا وفيها تخصص كبير في هذا المجال. وقد عدت قبل 6 سنوات إلى البلاد وأنا أعمل بالإضافة إلى جامعة خرونيجن في الجامعة المفتوحة. هذه هي خلاصة مسيرتي العلمية.    مسيرة رائعة دكتور، وفي الحقيقة لنا ولجمهورنا كغير مختصين ذكرتم المصفوفات منخفضة التردد لا ندري إن كنتم تحبون التقديم بالمراحل التي ذكرتموها حول نشأة الكون ثم شرح هذه المصفوفات لنا أم البدء بالاتجاه الآخر بالشرح من المصفوفات ثم التعمق في تفاصيل نشأة الكون. نترك الخيار لكم. أفضل الكلام عن التأثير الفيزيائي لأفسر ما نريد أن نراه بالتحديد ثم لماذا نريد استخدام المصفوفات منخفضة التردد.  كما تعلمون فإن الكون يتوسع، هذه هي نظرية الانفجار الكبير، ومنذ ولادته حتى الآن فقد مر بمراحل عديدة، كان كثيفاً جداً وحرارته عالية جداً في البداية. في اللحظات الأولى لتكون الكون كانت حرارته – وسأستخدم الصيغة الرياضية هنا – 10 مرفوعة للأس 35 درجة مئوية أو درجة مطلقة، أي واحد وأمامه 35 صفر، حرارة مذهلة لا تستطيع المادة العادية الصمود بهذه الحرارة.  كان الكون في بدايته مجرد طاقة، أشعة تتحول إلى جسيمات وجسيمات تتحول إلى أشعة. مثل خليط من الجسيمات الأولية التي تكمن في عمق تكون المادة في الطبيعة. لكن مع الوقت فإن الكون بدأ يبرد وينتشر وتقل كثافته ويقل ضغطه، وخلال هذه العمليات تحدث أمور عدة. بعد 3 دقائق من تكون الكون ظهرت أولى العناصر، في البداية لم يكن هناك عناصر، حيث أن درجة الحرارة عالية لدرجة أن العناصر وحتى أنوية العناصر تتفكك، وحتى أن البروتونات والنيوترونات التي تكون أنوية العناصر تتفكك أيضاً إلى مركباتها الأساسية التي نسميها كواركات وما شابه. لكن بعد دقائق برد الكون بما يكفي لكي يكون أنوية العناصر الأولى.  من المذهل أن الكون في بداياته لم يحتو على أي من العناصر التي تكوننا وتكون الحياة وكل شيء، بل احتوى على عنصرين فقط. لا أدري إن كنت تعلم، فإن الكون كان له في الأساس عنصرين، وهما العنصران الموجودان اليوم بكثرة في الطبيعة: الهيدروجين والهيليوم. إذا ما عدنا إلى الجدول الدوري في المدرسة فإن الهيدروجين والهيليوم هما أخف عنصرين في الكون، وفي الحقيقة، من المادة العادية التي تكون الأرض واجسامنا وما نسميه المادة الباريونية فإن الكون يتكون بنسبة 75% هيدروجين و25% هيليوم أما العناصر الأخرى التي يصنع منها كل شيء بما في ذلك نحن، فهذه لم يصنعها الكون ببدايته بل تحتاج إلى عملية أخرى لاحقة، وهو أمر مذهل في الحقيقة أن ما يكوننا لم يكن موجوداً في بداية الكون، بل ما كونها هي النجوم ودورة حياة النجوم لكن هذا موضوع آخر.  هذا هو مثال على التغير الكبير في مراحل نشأة الكون. هذه أيضاً المرحلة التي تتحرر بها الأشعة الميكرونية الكونية التي نرصدها بشكل روتيني اليوم.  بعد 400أالف عام صار الكون شفافاً، أما قبلها فيمكن تشبيهه بالغمامة، يشبه الأمر عندما تمر الطائرة وسط غيمة. بعد 400 ألف عام من الانفجار الكبير، كون الكون الذرات المتعادلة الأولى والتي لم تكن موجودة قبل ذلك، فذرات الهيدروجين الذي تكلمنا عنه في الدقائق الأولى من الكون كانت متأينة، البروتونات والإلكترونات التي تصنع ذرة الهيدروجين كانت منفصلة عن بعضها. بمرحلة ما، يندمجان بعد 400 ألف عام من الانفجار الكبير ويسبب هذا أن الكون يصبح شفافاً، قبلها كان الكون غير شفاف بل كان يشبه غمامة، يشبه الأمر عندما تكون بطائرة وتمر الطائرة في غيمة وخصوصاً في الليل، هكذا كان الكون حتى وصلنا إلى مرحلة الـ 400 ألف عام وتحول الهيدروجين إلى هيدروجين متعادل.  ما يميز فترة الـ 400 ألف عام هو عدم حدوث الكثير من الأحداث بالمقارنة مع الفترة السابقة: أصبح الكون بارداً نسبياً مقارنة بالفترة السابقة، فقد أصبحت الحرارة 3000 درجة مئوية أي أقل من حرارة سطح الشمس والتي تبلغ 6000 درجة مئوية. إذن برد الكون كفاية، لكن لم يكن به شيء آخر كالمجرات والنجوم وكان مستمراً بالانتشار والتوسع وهكذا يستمر الوضع حتى نصف مليار عام من فترة تكون الكون وتسمى هذه الفترة بالمصطلحات التقنية بالعصور المظلمة للكون لعدم وجود مصادر ضوء في هذه الفترة. يبرد الكون، يتمدد، بهيدروجين وهيليوم متعادلان دون مجرات أو نجوم أو أي شيء آخر. صورة لمجموعة محطات من محطات مصفوفة لوفار في هولندا من الأعلى بعد نصف مليار عام تبدأ المجرات الأولى بالتكون، وهذه المجرات والنجوم لها صفة خاصة هو أنها تصدر الأشعة فوق البنفسجية، وهذه الاشعة فوق البنفسجية تؤين الهيدروجين، وتمتد هذه الحقبة من نصف مليار عام إلى مليار عام من عمر الكون. وبعد هذه المرحلة يرجع كل الكون إلى مرحلة التأين، فكوننا اليوم متأين منذ تلك الفترة وحتى الآن.   اسمح لي بالمقاطعة دكتور، كم عمر الكون الآن؟ لا شك أن هذا ذُكر كثيراً وذكرتموه لكن فقط لنوضحه للجمهور عمر الكون 14 مليار عام تقريباً. 13.8 مليار عام. ابتدأت المرحلة التي نتكلم عنها بعد تقريباً 400 ألف عام من تكون الكون ثم مرحلة أن الهيدروجين يتحول إلى هيدروجين متعادل ثم بعد نصف مليار عام بدأت المجرات الأولى والنجوم الأولى بالتكون، ثم ابتدأت هذه النجوم والمجرات بتأيين الغاز من حولها، ثم بعد مليار عام أصبح كل الكون متأين واستمر ذلك حتى الآن. ما نبحثه هو تلك الفترة من 400 ألف عام بعد الانفجار الكبير حتى مليار عام بعد الانفجار الكبير.   واضح دكتور، لكن أي من الفترين هي التي يشار لها على أنها فترة عودة التأين؟ تكون هذه الفترة من الكون من 400 ألف حتى مليار عام تقسم عادة إلى 3 أقسام، الأول هو العصور المظلمة للكون، الثاني هو فترة نشوء المجرات الأولى والنجوم الأولى وتسمى فجر الكون (Cosmic dawn) والفترة الأخيرة التي صارت فيها الكثير من المجرات الأولى، وابتدأت بتأيين الكون بشكل مكثف تسمى فترة عودة التأين. ونحن ندرس المراحل الثلاث لكن في الأساس أنا أدرس المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التأين الجديد للكون، لكن هذه المراحل في الحقيقة مرتبطة من 400 ألف عام من الانفجار الكبير حتى مليار عام. تحدث حقبة عودة التأين تحديداً بين 600 أو 700 ألف عام إلى مليار عام.   كيف ندرس مثل هذه المراحل؟ كما ذكرنا فإنه لا يوجد شيء لرؤيته من تلك المراحل بالتلسكوبات كما هو الحال عادة. أفضل ما يمكن رصده لفهم وضع الكون في تلك المرحلة هو أشعة تصدر من الهيدروجين المتعادل. حيث تصدر هذه الأشعة عندما يتعادل الهيدروجين وتسمى بأشعة ذرة الهيدروجين وطول موجتها هو تقريبًا 21 سنتمتر، أقصر من مسطرة اعتيادية التي تصل عادة إلى 30 سنتمتر. لكن عندما تصدر هذه الأشعة فإنها تصدر في الكون البدائي، ويتباعد هذا الكون عن بعضه بشكل كبير حتى يصلنا، وخلال عملية ابتعاده، فإن الابعاد والاطوال تتغير، أي أن طول الموجة هذا قد يصلنا بطول مترين أو  3 أمتار وهذا صعب على المستمع العادي فهمه لكن لنحاول تبسيطه. حين نتحدث عن الانفجار الكبير ونتحدث عن الانتشار. ما ينتشر هو ليس المجرات، صحيح أن المجرات تبتعد عن بعضها باستمرار لكن ليس هذا هو السبب، ما يبتعد عن بعضه فعليًا هو هندسة الكون، نسيج الفراغ والزمان في الكون. لأعطي مثالاً على ذلك، عندما تمسك بالون (نفاخة) وتبدأ بنفخها، تلاحظ أن النقاط على سطح البالون تبتعد عن بعضها، وهذا يشبه الكون إلى حد كبير. لكن هل تتباعد النقاط على البالون؟ كلا، ما يتغير هو نسيج البالون نفسه الذي يتمدد. هذا هو ما يحدث في الكون. المجرات لا تبتعد أو تهرب عن بعضها بل ما يبعدها عن بعضها هو اتساع نسيج الكون. ما يحدث لعملية تمدد الكون هو أن الكون يخلق أبعاد جديدة، يخلق هندسة جديدة طيلة الوقت، وهذه قضية مهمة. ولأن ما يتمدد هو نسيج الكون، فإن كل ما فيه سيتمدد مع الوقت، بما في ذلك الأشعة ذات الطول 21 سنتمتر فإنها ستتمدد أيضاً، وهذا ما ندرسه تحديداً. أشعة مثل هذه هي أشعة منخفضة التردد والطريقة الوحيدة لملاحظتها هي تلسكوبات الراديو، انتينات قديمة تشبه الرادارات والتي هي صحون كبيرة – إذا ما تذكر هوائيات التلفاز – عمل الهوائيات كهذه هو التقاط موجات كهذه. ودور هذه الهوائيات هو لرصد موجات الهيدروجين هذه. عبر المصفوفات منخفضة التردد نرى هذه المناطق التي لا تشع لأن الهيدروجين فيها قد تأين حيث لا تعطي أشعة ٢١ سنتمتر ونرى أن هذه المناطق المعتمة تستمر بالاتساع حتى تختفي أشعة ال٢١ سنتمتر التي تأتينا من المادة التي بين المجرات عندما يتأين الكون تمامًا....
الاشاعة حول الخراف التي تدور حول نفسها لـ 12 يوماً30 Nov 202200:06:01
يفتتح منشور على تويتر موضوع الخراف التي تدور حول نفسها مبتدئاً بالأسباب لا بالخبر، والأسباب هي علوم زائفة من قراءة أول سطر من المنشور: "ازداد تذبذب طاقة الأرض من 5 هيرتز الى 40 هيرتز في حزام فان الين (Van Allen Belt)، مما يعني أنه سيستمر في الازدياد بسرعة كبيرة لدرجة أن يصبح اليوم 16 ساعة وليس 24 ساعة" ثم المزيد من التفاصيل حول مغناطيسية الأرض. طبعاً لننفي ذلك قبل ان نمضي نحو قصة الخراف التي تدور حول نفسها لـ 12 يوماً، فإن اليوم لم يقصر بعد، وأن تذبذب طاقة الأرض هو مصطلح غير علمي، وأن التذبذب في حزام فان الين لم يبلغ 40 هيرتز ولا ندري من اين جاء صاحب المنشور بهذا، وأن ذلك لا علاقة له بالخراف التي تدور حول نفسها. لسبب ما يجذب حزام فان الين الكثير من أصحاب نظريات المؤامرة المخلوطة بالعلم الزائف، توماس كوان يعول عليه كثيراً أيضاً. اما في الفيسبوك، فقد اتفقت صفحات جمع الاعجابات على رواية واحدة، وهي "ارتحال اقطاب الأرض" الامر الذي "حير الخبراء" ولا ندري بالتحديد من هم هؤلاء الخبراء الذين احتاروا في الأمر عدا صاحب الصفحة الخبير الأول. وبالتأكيد لا نستطيع تحميل "الخبراء" اكثر من الاستيعاب الممكن، لكن ربما سمع احد هؤلاء عن ظاهرة انعكاس مغناطيسية الأرض (Geomagnetic reversal) والتي ينقلب فيها الشمال والجنوب المغناطيسيين للأرض، في أمر يحدث بنطاق يتراوح بين الاف الى ملايين السنوات وكان آخر حدث من هذا القبيل قد حدث قبل 780 الف سنة ويستغرق الانقلاب الاف السنين للحدوث أيضاً، أي أنه ليس أمراً يمكن أن يدركه الخروف أو أصحاب الصفحات بسرعة، كما لا توجد أي أخبار من أي جهة علمية تداولت أمراً كهذا. تزيد المزاعم على أن الدوران يحدث في العديد من الحيوانات لنفس السبب، المتعلق بمغناطيسية الأرض، وهذا في الحقيقة عبارة عن مزيج بين فكرة علمية وأخرى غير علمية على الاطلاق. تستطيع العديد من الحيوانات استشعار المجال المغناطيسي للأرض[1] وثبت أنها تستخدمه للتنقل (مثلما نستخدم البوصلة) كما استطاع علماء كثيرون دراسة تلك القدرة بدقة وتحديد البروتين المسؤول عنها وهو الكريبتوكروم (Cryptochrome)، ومن الأمثلة على تلك الحيوانات الخفاش البني الكبير (big brown bat) وسلمندر الكهف (Cave Salamander)  ونحل العسل. غير أن ما هو غير علمي في فكرة الربط بين المغناطيسية والدوران هو افتراض أن الحيوانات ستدور لو حدث شيء ما بالمغناطيسية فقط لأننا نتذكر المحرك الكهربائي واكتشافات اورستد حول الكهرومغناطيسية، أو ربما للربط بين دوران الكواكب وجاذبيتها (ربط غير صحيح مع المغناطيسية). على الرغم من ذلك فأن هناك بعض الربط البعيد بين المغناطيسية والدوران لدى بعض الحيوانات. اسماك تدور باختصار، لا علاقة بين الأمرين، ولم تتغير مغناطيسية الأرض، ومجاميع الحيوانات تمضي بحركات دورانية لأسباب كثيرة ليس المجال المغناطيسي للأرض واحداً منها. السبب الرئيسي لدوران الحيوانات البحرية مثلاً هو التغذية حيث لاحظ علماء يابانيون بدراسة أجريت على دورات الحيوانات البحرية أن ذلك كثيراً ما يحدث للبحث عن الطعام، وفي بعض الأحيان التزاوج، وفي حالات معينة هناك اعتقاد ان الدوران لدى الحيوانات التي تمتلك القدرة على استشعار المجال المغناطيسي الأرضي فإن اجراء دورتين او ثلاث يشبه إعادة ضبط لجهاز الملاحة الخاص بالحيوان، لكن الدوران بشكل عام ليس حالة غريبة ولا يحتاج ان يحدث لأيام لان شيئاً ما حدث لمغناطيسية الأرض[2]. أما السبب الآخر الشائع بعد التغذية، فهو الامراض باختصار، وهو الحل البسيط لمعضلة الخراف التي تدور حول نفسها في الصين. يسمى مرض اللستيروسس (Listeriosis) بمرض الدوران، وهو يصيب الدماغ ويسبب تشنجات في الوجه او شللاً، بالإضافة الى الاستلقاء، او الدوران. يحدث مرض الدوران او اللستيريا المولدة للخلايا الوحيدة نتيجة للإصابة ببكتيريا معينة. تنعزل الحيوانات المصابة في البداية وتتكأ على الجانب المصاب بالدماغ ثم تبدأ بالدوران بذلك الاتجاه. رغم جميع تلك التفسيرات والرحلة العلمية الواسعة التي يمكن أن تأخذنا نحو الفيزياء والاحياء وعالم الحيوان فإن الفيديو الأزرق الكئيب للحيوانات التي تدور يبدو أكثر تشويقاً للكثيرين، وهذا ما يراهن عليه العلم الزائف دوماً، تهويل المجهول.   [1] Helen Matsos, How animals sense Earth's magnetic field, phys.org, MAY 19, 2020 [2] CAROLINE DELBERT, Sharks, Turtles, and Penguins Are All Swimming in Circles. No One Knows Why. popularmechanics.com, MAR 19, 2021 قراءة المقال بصوت حسن الرياحي
مختصر مفيد: هل يمكن أن تكون الفيتامينات مضرة؟21 Oct 2022
مختصر مفيد، قراءة لمقال الواقع هو أفضل دواء: مفاهيم خاطئة عن الفيتامينات رابط المقال: https://real-sciences.com/?p=17285
حقيقة تجربة النوم الروسية26 Sep 202200:05:41
قرأنا كثيراً الأسطورة حول تجربة النوم الروسية التي تنص على أن خمسة أشخاص من السجناء في الاتحاد السوفييتي مُنعوا من النوم وماتوا بطريقة تراجيدية مرعبة. ويتداول تلك القصة كثيرون دون التحقق من مصداقيتها أو كونها حقيقة أم خيال، فما الحقيقة؟  تنص القصة باختصار على أن خمسة أشخاص من السجناء السياسيين في الاتحاد السوفييتي قد اُدخلوا في تجربة طولها 30 يوماً ووعدوا بالحرية فيما لو صمدوا خلال التجربة. وأن التجربة قد قامت في غرفة تحتوي على غاز منشط يحول دون النوم. بدأت التجربة حسب المزاعم وبقي الأشخاص طبيعيون للأيام الخمسة الأولى ثم بدأوا بالاضطراب وسرعان ما بدأت ملامح الانهيار بعد 9 أيام، ثم بدأوا بارتكاب أعمال لم يتمكن الباحثون من رؤيتها لأن المشاركين في التجربة لطخوا النافذة بالغائط وبكتاب قاموا بتمزيقه، ثم أُوقفت التجربة بعد 15 يوماً فوجد الباحثون أن الأشخاص قتلوا واحداً منهم بعد تشويهه كما أنهم مزقوا أنفسهم وغطوا الأرض بالدماء. وتستمر القصة بإصدارات عديدة حول مقتل البعض أو قتل السجناء لبعض الجنود بينما حاولوا إخراجهم بالإضافة إلى البهارات التي أضيفت للقصة أثناء الترجمة للعربية والصورة المرعبة التي ترفق مع التجربة دون أساس. باختصار، القصة مختلقة كلياً. اختلق القصة مستخدم مجهول في موقع يعرف بـ "كريبي باستا" (CreepyPasta) ويشير المصطلح إلى نوع من قصص الإنترنت المرعبة التي يتم تأليفها وتداولها ويعني المعكرونة المخيفة فكأن أحدهم يصنع أكلة مخيفة ليتم تناولها من قبل الجمهور. اذا اردت متابعة المزيد من هذه القصص قم بزيارة الموقع لكن لا تشاركها وكأنها قصص حقيقية. يبقى أمران، هل يعني هذا أن الأجهزة السرية النازية أو السوفيتية أو الامريكية أو أي أجهزة مخابرات ليس لديها برامج تجارب سرية شريرة؟ كلا على الإطلاق، هناك قصص حقيقية كثيرة من مختلف الدول. واحزر ماذا تفعل اذا ما اختلقت قصة وأضفتها للرصيد الحقيقي من القصص؟  ستضعف مصداقية القصص الحقيقية لأن كشف الكذب ليس سهل مثل هذه القصة، وكثير من الناس لن يكون لديهم الوقت للبحث عن نماذج أخرى.  الامر الثاني، هل حقاً يمكن أن نأكل لحوم البشر أو أن نتحول إلى وحوش اذا ما حُرمنا من النوم؟ كلا حتى لو بقيت 264 ساعة دون نوم مثلما فعل راندي غاردنر (Randy Gardner) الشاب الأمريكي محطماً الرقم القياسي لتوم راوندس (Tom Rounds) وبإشراف الباحث في النوم في جامعة ستانفورد الأستاذ ويليام ديمينت (William C. Dement). لم يأكل راندي احداً، ولم يمزق لحمه ولم يغط الأرض بالدم، لكنه كان يشعر بالتعب وكانت تظهر عليه تغيرات في المزاج. لكن باحثين آخرين راقبوه أبلغوا عن مشاكل عقلية جدية مثل الهلوسات والهوس وضعف في الذاكرة قصيرة الأمد والتركيز. بلغ الضعف الإدراكي مرحلة عدم قدرة انجاز بعض الاعمال الحسابية الطويلة لنسيان ما بدأ به من الأساس في نهاية التجربة. في النهاية تكلم راندي بطلاقة أمام مؤتمر صحفي قائلاً: "أردت إثبات أن لا شيء سيء سيحدث لو بقيت دون نوم، لقد كسرت الرقم السابق ولم تكن تجربة سيئة".  أما توم راوندس فلم نجد الكثير من التفاصيل عن تجربته لكن يبدو أنها لم تخضع للتجارب والإشراف الأكاديمي مثل راندي. تجدر الإشارة أن راندي نام في يومه الأول بعد التجربة لـ 14 ساعة ثم في اليوم الثاني لعشرة ساعات فقط.   الخلاصة، عدم النوم لأحد عشر يوماً لن يجعلنا وحوش وأكلة لحوم البشر.    مصادر وروابط أخرى: Austin Considine, Bored at Work? Try Creepypasta, or Web Scares, New York Times, Nov. 12, 2010 Wikipedia, CreepyPasta Wikipedia, Randy Gardner sleep deprivation experiment SHANKAR VEDANTAM, The Haunting Effects Of Going Days Without Sleep, npr.org, December 27, 2017 Wikipedia, Russian Sleep Experiment 
مختصر مفيد: هل كان التغير المناخي سبب لتغيرات سياسية في شبه الجزيرة العربية؟24 Sep 2022
قراءة مختصر لمقال: الجفاف سبب لتغيير تاريخي في شبه الجزيرة العربية https://real-sciences.com/?p=16742
مختصر مفيد: هل كاد البشر ان ينقرضوا بسبب بركان؟19 Sep 2022
قراءة مختصرة لمقال: فاجعة بركان توبا: هل شارفت البشرية على الانقراض؟ https://real-sciences.com/?p=16765
تأثير مانديلا: كيف يتم إنشاء الذكريات الخاطئة19 Sep 202200:06:29
ترجمة: مرام الصراف، النسخة الصوتية يقرأها حسن الرياحي هل سمعت من قبل عبارة "شغلها مرة أخرى يا سام"؟ يتذكر الكثيرون أنها أشهر جملة قالتها إنغرد برغمان في فيلم كازبلانكا ومع ذلك، عند المراجعة، اتضح أن بيرغمان قالت "شغلها يا سام، شغل أغنية As Time Goes by" ومع ذلك يتذكر الكثيرون عبارة "شغلها مرة أخرى يا سام" والتي لم يتم نطقها أبدًا. لكن لماذا؟ إنها ليست الحالة الوحيدة، فعلى سبيل المثال، هناك من يتذكر أنه في فيلم حرب النجوم ، أن دار فيدر تحدث بعبارة "لوك، أنا أباك" لكن في الواقع العبارة مختلفة قليلاً "لا، أنا أباك". بينما يتذكر آخرون قول الملكة في بياض الثلج "مرآتي يا مرآتي" العبارة الصحيحة هي "مرآتي السحرية على الحائط" ما الذي تثبته هذه الحالات؟ في عام 2010، بدأت نظرية يتم تداولها على الإنترنت تشرح الذكريات الخاطئة التي تبدو أنها تؤثر على الكثير من الناس. في ذلك العام، أوضحت الباحثة فيونا بروم أنها تذكرت تمامًا كيف مات نيلسون مانديلا في السجن في الثمانينيات، كما تذكرت المقاطع الإخبارية لجنازته، والحداد في جنوب إفريقيا، والخطاب الصادق لأرملته، وبعض أعمال الشغب في مدن إفريقيا التي بدأت انهيار نظام الفصل العنصري. لكنها اكتشفت بعد ذلك أن مانديلا لا يزال على قيد الحياة، والأهم من ذلك، كما قالت، اكتشفت أن العديد من الأشخاص الآخرين يشاركون الذاكرة ذاتها. أطلقت بروم على هذه الظاهرة المتمثلة في التذكر الخاطئ <<تأثير مانديلا>> واقترحت أن هذه الذكريات الخاطئة هي في الواقع دليل على أكوان أو حقائق موازية. وقد افترضت أن الأشياء تحدث بطريقة مماثلة – ولكن ليس بنفس الطريقة تمامًا – في هذه الأبعاد الأخرى. وفقًا لتأثير مانديلا، فإن هذه الذكريات التي تبدو خاطئة هي في الواقع مكتسبة عن طريق الخطأ من تلك الأبعاد الموازية. يعتقد آخرون أن تأثير مانديلا يوضح أننا نعيش في واقع محاكي تم إنشاؤه بواسطة ذكاء أعلى، يقال أن أخطاء الذاكرة هذه تعادل الثغرات البرمجية – كما هو الحال في فيلم الماتريكس <>. مع ذلك، فإن علم النفس له وجهة نظر مختلفة لما يحدث هنا، إن أخطاء الذاكرة هذه هي تمامًا ما نظنها، مجرد أخطاء. العديد من الناس يفهمون فكرة أن أدمغتنا تعمل مثل الكمبيوتر أو ما يعادل مسجلات الفيديو، وتخزين البيانات في أذهاننا ثم استعادتها تمامًا كما تلقيناها أو مرة، لكن ليس ذلك هو الحال. الذاكرة هي عملية خلق وإعادة بناء مستمرة، والذكريات تتغير بمرور الوقت – على الرغم من أننا يمكن أن نكون مقتنعين تمامًا من دقتها. هناك أيضًا حقيقة أننا غالبًا ما نتذكر مشاهد أو عبارات من الأفلام بطريقة تقريبية، ثم تصبح هذه المصطلحات المشتركة، كما هو الحال مع "شغلها مرة أخرى يا سام" والتي أصبحت عنوانًا لأحد أفلام وودي آلن. ومع ذلك، فإن الطريقة التي يتم بها إنشاء الذكريات الكاذبة فورية ومنتشرة لدرجة أنه من الممكن اختبارها. يمكننا تجربتها الآن، أحضر ورقة وقلم، ثم إقرأ الكلمات التالية بصوت عالٍ مرة واحدة: سرير يرقد مستيقظ مُتعب حلم يقظ راحة بطانية نعس سبات شخير قيلولة سلام تثاؤب غفوة الآن أغلق المجلة واكتب الكلمات التي تتذكرها وفقًا لنموذج دييس- رويديجر-مكدرمونت، يميل الناس إلى تذكر كلمة مرتبطة بالفعل بجميع الكلمات الأخرى ولكنها غائبة عن القائمة، في هذه الحالة الكلمة هي نوم، هل كتبتها؟ يذكر حوالي نصف أولئك الذين يشاركون في مثل هذا النوع من التجارب أنهم متأكدون من رؤية الكلمة الغائبة (نوم)، ولكن هذه الذكرى شيء لم يحدث أبدًا، إنها ذكرى خاطئة. الذاكرة هي آلية حساسة للغاية، وعرضة للعديد من التشوهات اللاإرادية، بما في ذلك الذكريات الكاذبة والاقتراحات واضطراب في الأداء والضغط الاجتماعي والارتباك. ذلك هو الاندماج بين الذكريات المختلفة أو اتحاد الذكريات الحقيقة والتخيلات، لهذا السبب في المرة القادمة التي تسمع فيها أشخاصًا يقولون "آه، صحيح! أتذكرها جيدًا!" يمكنك أن تكون متأكدًا تمامًا من أنهم يبالغون في تقدير قدرات أدمغتهم. وماذا عن فكرة الأكوان المتعددة أو الواقع المحاكي؟ يمكن أن يكون هذا أحتمال بالنسبة لفيزيائيي الكم وليس فقط لعشاق الخيال العلمي، ويقضون وقتًا للتكهن بها. مع ذلك، يمكننا الاعتماد على التفسيرات المعقولة التي يقدمها علم النفس حول كيفية إنشاء الذكريات الخاطئة إلى أن يتم العثور على دليل لمثل هذه الحقائق البديلة، ومحاولة جعل الأشياء تعمل بشكل أفضل مما هي عليه في الوقت الحاضر في العالم والكون الوحيد المتأكدين من وجوده: عالمنا. المصدر: Massimo Polidoro, The Mandela Effect: How False Memories Are Created skeptical inquirer, From: Volume 46, No. 4, July/August 2022 راجعت المقال لغويا ريام عيسى وتم نشره في مجلة العلوم الحقيقية العدد 51  لشهري سبتمبر-اكتوبر 2022
مختصر مفيد: هل تنفع لغة الجسد لكشف الكذب؟17 Sep 2022
قراءة مختصرة لمقال هل يمكن معرفة ما إذا كان شخص ما يكذب من خلال مراقبة لغة الجسد؟ ترجمة مرام الصراف رابط المقال: https://real-sciences.com/?p=16761    
مختصر مفيد: الدكتور اوز الطبيب والمحتال11 Sep 2022
قراءات مختصرة في مقالات العلوم الحقيقية، قراءة لمقال الدكتور اوز الطبيب والمحتال. رابط المقال: https://real-sciences.com/?p=16755
رقصة الأرض، فحوص طبية خطرة، حميات زائفة وغير ذلك في العدد 51 من المجلة (خلاصة صوتية)09 Sep 202200:02:33
خلاصة العدد 51 من مجلة العلوم الحقيقية، لتحميل العدد اضغط على الرابط: https://real-sciences.com/?p=17123
نهاية دجلة والفرات: الأنهر التي كانت تتحرك على السهول يوماً – لقاء مع د. جعفر الجوذري RS1322 Jul 2022
الدكتور جعفر الجوذري مختص في علم الجيولوجيا الاثرية من جامعة درهام في المملكة المتحدة بشهادة الدكتوراه 2014-2016، وحاصل على الماجستير في علم الجيولوجيا من جامعة بغداد ويعمل استاذاً في جامعة القادسية في العراق. سجل له اثبات تسع تحولات تاريخية في نهري دجلة والفرات بعد ان كانت الساحة العلمية لا تعرف سوى ثلاثة. سنتكلم في هذا اللقاء عن التحدي المناخي الذي يواجه نهري دجلة والفرات، وعن تاريخ هذين النهرين في الظاهرة التي يجهلها الكثيرون عن تغيير الأنهر لمجراها. استمعوا على جوجل بودكاست آبل بودكاست سبوتيفاي رابط المقال على الموقع: https://real-sciences.com/?p=16820 كيف تصفون مجال دراستكم؟ ما هي الحقائق التي تغطونها وما هي التطبيقات الأهم لدراسة الأنهر والمياه تاريخياً؟ مجال دراستي هو الجيولوجيا الاثرية مجال نادر يجمع بين الجيولوجيا (علم الأرض) وعلم الاثار (archaeology). لذا فقد كان لي مشرف جيولوجي في الدكتوراه وهو الأستاذ مارك الين (Mark Allen) ومشرف آخر وهو الأستاذ توني ويلكنسون (Tony James Wilkinson) وهو مختص بعلم الآثار. وكلاهما أصحاب خبرة في اثار وجيولوجيا العراق. لدينا في الجيولوجيا حوالي 12 تخصص مختلف، وفي الاثار هناك أيضاً حوالي 15 تخصص. لكن هذا التخصص هو نصف جيولوجي ونصف آركيولوجي فهو يستخدم قوانين الجيولوجيا لفهم الآثار. آخر 10 الاف سنة تعد مشتركة في دراستها بين الجيولوجيا التي تدرس تكون الكرة الأرضية حتى الان اما الاثار فهي التي تدرس الانسان وموجوداته خلال اخر 10 الاف سنة، لذا فحين أتكلم للآثاريين أتكلم كجيولوجي واقدم لهم شيئاً جديداً بالنسبة لهم وأتكلم مع الجيولوجيين كآثاري واقدم لهم ايضاً اموراً ليست في مجال تخصصهم. لذا بالإضافة الى الجغرافية، فإن هذا يوفر لي معلومات كثيرة، لكن المشكلة في إيصال هذا التخصص للجمهور العراقي سواء في الجيولوجيا او الاثار او الجغرافية تكمن في ان معظم ابحاثي ورسالتي هي باللغة الإنجليزية، مع ذلك فقد سعيت لادخال مادة الجيولوجيا الاثرية لتدرس في الجامعات وهي اليوم تدرس في تسعة اقسام دراسية في العراق وانا اعتبر هذا وفاءاً للبلد حيث أنني طالب بعثة وقد تحمل العراق كلفة بعثتي الدراسية لذا فكان يجب ان اضيف شيئاً حين أعود، وما أفخر به ربما هو إضافة هذا التخصص للعراق. حالياً، معظم البعثات التنقيبية الأجنبية والعراقية، والباحثين في مجال الجيومورفولوجيا والجيولوجيا والاثار كلها تأخذ على عاتقها دراسة الجيولوجيا الاثرية. الأمر الآخر وأنا لا احب التركيز على شخصي، لكنني اطرح الأمر كحقائق، حينما أكملت الدكتوراه عام 2016 في العراق، تواصلت مع معظم الفرق الاثرية الذين صدف ان يكون كثير منهم زملاءاً او أساتذة، ليقوموا باتخاذ الجيولوجيا الاثرية كمهمة وكجزء من عملهم، فضلاً عن طرائقهم الموجودة والمعتمدة. ستلاحظ منذ 2016 هناك زيادة في الاكتشافات ذات الصلة بالجيولوجيا الاثرية في العراق وهو قد يعزى لجهودي في نشر هذا المجال. الكثير من الفرق الأجنبية التي تدرس في العراق تخصص اموالاً وجهوداً للدراسة من جانب الجيولوجيا الاثرية. لاحظنا استشهادات كثيرة بابحاثكم وصوراً التقطتموها في جنوب العراق، لكن لنعد الى مجال الدراسة، هل تقوم الجيولوجيا الاثرية بدراسة الأنهر والمياه بشكل رئيسي؟ انتشر مؤخراً بحث حول الجفاف في شبه الجزيرة العربية في فترة قبل ظهور الإسلام وتكلموا ايضاً عن تحليل له صلة بتساقط الامطار. فهل المجال قائم على دراسة الأنهر والمياه ام ان هناك مجالات وفروع أخرى في الجيولوجيا الاثرية؟ هناك مجالات وفروع أخرى. لكن لأن العراق هو بلاد ما بين النهرين، فإن الجانب العراقي اخذ على عاتقه دراسة قنوات الري والانهر القديمة. لكن بالتأكيد فإن الجيولوجيا الاثرية تدخل في الأدوات الحجرية، أنواع الصخور، البيئة القديمة، الاهوار، حبوب اللقاح القديمة، السبورات، المتحجرات ومجالات أخرى كثيرة. لكن ما يهم في المنطقة العربية والشرق الأوسط هو الأنهر وقنوات الري وطرق النقل. هذا كله يعرف بشكل سطح الأرض اثارياً (landscape archeology). فما الذي يظهر على سطح الأرض؟ الأنهر، الاسوار، الخنادق، الطرق، المسالك النهرية، الاهوار القديمة، العيون، واي شيء يظهر على سطح الأرض. حينما نأتي لطرق الري (نقول طرق الري لأنه لا يقتصر على القنوات فتوجيه الامطار ليس فيه قنوات مثلاً)، او استخدام الكهاريز والتي هي ايضاً ليست قنوات ري. لنقل انه نظام الارواء بشكل عام (irrigation system)، ما يجمع كل هذه المجالات هو دراسة اثار سطح الأرض الذي ذكرناه.   كيف تخدم النصوص التاريخية الدراسة العلمية في فهم المناخ والأنهر؟ ما هي الوسائل الأخرى لدراسة للمناخ والأنهر تاريخياً؟ الكتابات المسمارية مهمة جداً، لانها وثقت عمليات حفر قنوات الري وطرق السقي والفيضانات والصراعات على المياه، كل ذلك وصف وصفاً دقيقاً. أيضا استخدام الانسان المياه للتنقل، الاهوار. لدينا وصف مفصل لآثار سطح الأرض في المخطوطات المسمارية وهذا مصدر مهم جداً اعتمدت عليه في دراستي لآثار سطح الأرض في العراق. المصدر الآخر هو النصوص الساسانية ما قبل الإسلام، والمصادر الإسلامية، ثم الرحالة سواء من العرب او الأجانب. ولك ان تتصور كم مرحلة من مراحل الكتابة والمصادر بجميع تلك اللغات. كل ذلك تم استخدامه لفهم أنظمة الارواء والانهر القديمة. كل مصدر سيعطي جزء من الحقيقة، لكي تكتمل الحقيقة يجب أن يكون هناك تعدد لمصادر الدراسة. عدم الاستماع للجانب الآثاري يوجه الجيولوجيين الى استنتاجات خاطئة أحياناً، والأمر ذاته مع الآثاريين.   هناك ايضاً الخرائط القديمة، والصور القديمة، وصور القمر الصناعي السابقة وما نسميها صور كورونا (يقصد به قمر صناعي بهذا الاسم وليس مرض كورونا) في ستينات القرن الماضي. صور كهذه مهمة لأنها تصور سطح الأرض قبل التقدم العمراني، فقد كان هناك غابات ومشاريع ومشاريع زراعية تختلف عما هي عليه اليوم. ثم لدينا صور القمر الصناعي عالية الدقة، وصور الدرون. ما ارجوه هو ان يفهم المستمعون كمية المصادر التي نحتاج اليها لكي نصل الى الحقائق، كل ذلك يسمى العمل المكتبي، ثم يأتي بعده العمل الحقلي، مثلاً تجمع قد الأدلة من العمل المكتبي أن مكاناً ما هو نهر الفرات، لكن دون الذهاب والحفر والقيام بالعمل الحقلي لا يمكنني تأكيد ان هذا بالفعل هو نهر الفرات. إذاً هناك عمل حقلي وعمل مكتبي وعمل مختبري أيضاً لتحليل النتائج. تبدأ من النصوص المسمارية، ثم تذهب للصور الفضائية ثم تذهب الى الحقل لتأخذ نماذج وتقوم بتحليلها وتستطيع بعدها إعطاء النتيجة. هذه هي طريقة بحثنا. بعض الباحثين المحليين في العراق يقتصرون على جانب واحد لاستخراج استنتاجاتهم كالكتابات المسمارية او الصور الفضائية او كتابات الرحالة. كل مصدر سيعطي جزء من الحقيقة، لكي تكتمل الحقيقة يجب أن يكون هناك تعدد لمصادر الدراسة. الاخوة في قسم التاريخ، او الدراسة التاريخية الذين لا يستخدمون المختبر والعمل الحقلي يجب عليهم ان يستمعوا للمجالات الأخرى. من الأمور الغريبة هي ان قنوات الري غالبا ما تكون مستقيمة، وما يحدث مع بعض الجيولوجيين هو أنهم حين يرونها يجزمون فوراً أنها خطيات (تراكيب جيولوجية خطية)، وفي الحقيقة فإن كثيراً منها هي قنوات ري حفرت في الفترة الساسانية. الجيولوجي لم تمر عليه تفاصيل كهذه فيحكم عليها بأنها تراكيب جيولوجية. ويحدث امر اخر مع الاثاريين، فيظنون أن دجلة والفرات هي ذاتها دجلة والفرات قبل الاف السنين ولا يعلمون ان الأنهار متحركة وغير ثابتة بمكانها. لذا فقد ذكرت لكم ان مجالنا هو مجال يجمع دراسة ثلاثة مختصين سوية. هل كانت أراضينا أراضٍ خضراء يوماً ما؟ ما هي الحقب المناخي التي مررنا بها خلال الـ 20 الف سنة الأخيرة؟ أعني جميع تلك الأراضي الواقعة اليوم تحت المناخ الجاف من شمال أفريقيا وحتى داخل ايران ومن جنوب تركيا حتى اليمن. نشير الى بحثكم مع مارك الطويل والتدرج من اختفاء أشجار السنديان جنوبي بغداد قبل 6 الاف سنة بعد ان كانت موجودة منذ بداية الهولوسين، ثم ازدهار النخيل قبل 3 الاف سنة، ثم الانتقال الى حقبة اكثر جفافا في الفترة بين 1000 ق.م الى 1000 م مع وجود امطار موسمية. انا مستعد لأخذ أي شخص يرغب، الى مقلع قريب من الوركاء (جنوبي العراق) عمقه 14 متر في الصحراء. استخدم هذا المقلع لبناء الطريق السريع وكذلك استخدم من قبل معامل الطابوق القريبة. على جوانب المقلع هناك مقطع واضح لطبقات السهل الرسوبي. نزلت الى قاعه وحسبت طبقات الأرض. يبدأ بطبقة سوداء لمتر ونصف، ثم طبقة ذات لون فاتح، ثم طبقة رمادية، ثم تعود الطبقة الرمادية، ثم لون احمر فاتح. ما اقصده من هذه الـ 14 متر هو أنه طبقات جيولوجية ملونة. تمت نمذجة هذه الطبقات بالتفصيل وارسال نماذجها الى مختبرات في بريطانيا. وتم تقييم عمرها ومكوناتها الجيولوجية. اتضح ان لدينا طبقة اهوار تتضمن القصب والبردي والجواميس والاعشاب الخاصة بتلك البيئة والاسماك والفقريات والطيور تستغرق هذه المرحلة مدة من الزمن بين 100 الى 200 سنة ثم تتحول الى مناطق زراعية جافة يمكن سقيها بالواسطة، ثم تتحول الى مناطق حقول زراعية كالحنطة والشعير وبعض الأشجار. ثم تتصحر المنطقة وتكون فيها كثبان رملية وتأخذ فترة من الزمن، ثم تتعرض للفيضان وتتكون اهوار مرة أخرى، ثم تعود الدورة. هذا التعاقب موجود وواضح وأي شخص يمكن أن يصدق ما تراه اعينه يمكن أن يرى ما يحدث في ذلك المقلع. هذا هو الحال في السهل الرسوبي، انها ليست منطقة ثابتة وفيها تعاقب بين الاهوار، الجفاف، المناطق الزراعية. وهذا الامر واضح للجيولوجيين وامل ان يكون واضحاً للمهتمين بالتاريخ والاثار من المستمعين. طبقات الأرض تظهر مراحل مختلفة في السنوات الخمسة الآف الأخيرة - من رسالة جعفر الجوذري للدكتوراه لكن دكتور حين نتكلم عن أشجار البلوط (السنديان) فهل كان المناخ شبيها بمناطق معينة في اوربا مثلاً؟ لقد سافرت سابقاً عبر البر الى ايران، وحالما تجاوزت العمارة والكوت واتجهت شمالاً قليلاً يمكنك مشاهدة أشجار البلوط حتى في مناطق قريبة من الحدود العراقية الإيرانية. لذا، فهي كنطاق، موجودة في المنطقة. لكنها تحتاج امطار وتحتاج درجة حرارة اقل وهذا موجود في المنطقة. درجة الحرارة في جنوب بغداد كانت ملائمة يوماً ما لنمو أشجار البلوط وكذلك الامطار. في نهاية الفترة الجليدية كان العراق منطقة مطيرة وباردة، انتهت هذه الفترة في الالف الرابع قبل الميلاد او الالف الخامس قبل الميلاد. وكانت مناسبة لنمو أي أشجار أخرى والكثير من الحيوانات التي تناسبها الأجواء الباردة. بعد الالف الرابع او الخامس بدأت زيادة درجة الحرارة لفترة معينة. ما يتحكم بنوع النبات هو النطاق من التساقط المطري درجة الحرارة والرطوبة. ويستجيب نوع المناخ للتغير المناخ فيكون صحراوياً إذا كانت المنطقة صحراوية واستوائياً اذا ما كانت استوائية وهكذا. مناخ جنوب العراق كان أكثر برودة وأكثر رطوبة وكان ملائماً لنمو هذه الأشجار التي يمكن ان نجدها اليوم في شمال العراق وجنوب تركيا وغرب ايران. كان هذا المناخ سائداً في الالف الخامس والرابع وبداية الالف الثالث قبل الميلاد. ثم بدأت الحرارة بالازدياد وبدأت هذه الأنواع بالاختفاء ثم ظهرت أشجار النخيل. كانت موجودة هي بالطبع لكنها ازدادت، واليوم يمكن ملاحظة أشجار النخيل في سامراء وتكريت وحتى في الموصل على نطاق ضيق، لكن ليس كما هي في الجنوب والبصرة. وأيضاً ينطبق ذلك على الحيوانات التي يلائمها هذا المناخ. المنحنى اليوم يتجه الى زيادة الحرارة وقلة التساقط المطري وقلة الرطوبة وهذا الاتجاه طبيعي بصراحة، لكن المشكلة هي أننا في اخر عشرين او ثلاثين سنة صارت لدينا زيادة استثنائية وحادة في درجة الحرارة. لو كان التغير تدريجياً فلن تكون لدينا المشكلة ذاتها، لكن التغير السريع يختلف. معظم الدراسات تتكلم عن جفاف كامل لدجلة والفرات في العام 2050 او 2040. يشيع حالياً فهم خاطئ وهو أن تركيا وإيران لا تعطينا حصتنا من المياه، كلا، المنطقة بأكملها تعاني من جفاف عام وسيستمر هذا الجفاف وسيطال تركيا وإيران....
بودكاست خلاصة العدد 50 من مجلة العلوم الحقيقية07 Jul 2022
عدد مجلة العلوم الحقيقية لشهري يوليو - اغسطس 2022. صمم العدد مرتضى مشكور، وراجعه لغوياً: عمر المريواني وريام عيسى. رابط تحميل العدد 50 من مجلة العلوم الحقيقية: https://real-sciences.com/?p=16483 تقرؤون فيه: تغير مناخي أدى الى تغير تاريخي وسياسي في جزيرة العرب. إعداد: ريام عيسى الدكتور اوز الطبيب والمحتال.. اعداد: سيف محمود علي هل يمكن أن ترشدنا لغة الجسد على الكذب؟ ترجمة مرام الصراف حين شارفنا على الانقراض وبلغ تعداد البشر 3000 نسمة في جميع الارض بسبب بركان. متى حدث ذلك؟ إعداد: عمر المريواني ما هو حدث هاينريش؟ الحمض النووي لآدم والمجموعة الفردانية A وعلى الغلاف: نبذة عن مسيرة اليزابيث بيتس في اللغويات  
مع العالم العراقي المغترب محمد الربيعي حول الموت الخلوي وواقع التعليم في البلاد العربية RS1207 Jun 2022
حلقة من بودكاست العلوم الحقيقية نلتقي فيها مع العالم العراقي المغترب الدكتور محمد الربيعي وهو بروفسور متمرس في الهندسة البايوكيميائية في جامعة كلية دبلن وباحث اقدم في معهد كونوي للعلوم الطبية وسابقاً بروفسور في جامعة برمنغهام وهو رئيس شبكة العلماء العراقيين في الخارج. شغل عدداً من المناصب الأكاديمية وعمل كخبير لعدد كبير من الشركات الطبية والصيدلانية ولمؤسسات البحث العلمي الاوربية والعالمية، وأستاذاً مشاركاً وزائراً لعدد من الجامعات العالمية وخبيراً في شؤون التعليم العالي في منظمة اليونسكو، ومستشاراً فخرياً لرئيس الجمهورية العراقية ولوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. نال العديد من الجوائز العالمية المميزة لاكتشافاته وبحوثه العلمية. اهتماماته العلمية والبحثية واسعة وتشمل بالاضافة إلى الموت الخلوي إنتاج الأدوية والمواد الطبية وهندسة الخلايا الجذعية والانسجة وكذلك له اهتمامات كبيرة في شؤون التربية والتعليم العالي في العراق والعالم العربي. ايضاً تقرؤون نص الاجابات في العدد 49 من مجلة العلوم الحقيقية: https://real-sciences.com/?p=16251 تجدونه على جوجل، آيتونز، سبوتيفاي وغيرها نعتذر عن الانقطاع في الصوت في التعريف ببداية البودكاست وتقرؤون التعريف كاملاً بالدكتور محمد الربيعي أعلاه   فيما يلي نص اللقاء كاملاً: ما هو الموت الخلوي وما هي أنواعه؟ بصورة عامة ومن الناحية الشكلية (المورفولوجية) ، يمكن تصنيف موت الخلايا إلى أربعة أشكال مختلفة:  موت الخلايا المبرمج ، apoptosis والالتهام الذاتي ، autophagy والنخر ، necrosis والانطواء entosis  وهناك أنواع أخرى من الموت الخلوي ليس هنا مجال لذكرها.  موت الخلايا المبرمج ،apoptosis ، هو أسرع شكل من أشكال موت الخلايا ويحدث بشكل أساسي اعتمادًا على سلسلة انزيمات محللة للبروتين caspases. الالتهام الذاتي autophagy، باعتباره موت الخلايا من النوع الثاني، هو عملية تدهور لإزالة البروتينات التالفة والعضيات المختلة وظيفيًا وتبدأ بتكوين جسيم البلعمة الذاتية autophagosome. النخرnecrosis هو نوع من موت الخلايا من النوع الثالث، والذي يحتوي على تنوع كبير في عمليات موت الخلايا، مثل التثقب والتشقق. الانطواء entosis هو نوع من موت الخلايا الرابع، ويعرض سمات خلوية "أي خلية في بطن خلية" ويتطلب تنفيذ عملية ابتلاع الخلايا. يمثل موت الخلية، كقرار خلوي نهائي عملية حاسمة للحفاظ على التوازن بين الأعضاء من حيث حجمها وعدد الخلايا لكل منها. تموت حوالي 10 مليارات خلية كل يوم لمجرد الحفاظ على التوازن مع أعداد الخلايا الجديدة الناشئة من الخلايا الجذعية في الجسم. هذه المذبحة يحتاج لتنظيمها نظام متوازن ودقيق. وهذا التوازن الطبيعي ليس مجرد عملية سلبية بل يتم تنظيمه من خلال برمجية دقيقة. تعمل نفس الآليات على "إزالة" الخلايا التالفة. مع تقدم العمر، قد تكون الاستجابات لتلف الحمض النووي أقل تحكماً، مما يساهم في الإصابة بالأمراض التنكسية degenerative. بدلاً من ذلك، قد تكون الاستجابات منخفضة وبطيئة، مما يساهم في زيادة احتمال الإصابة بالسرطان. أدت التصنيفات والتسميات المختلفة إلى حدوث ارتباك كبير في تحديد موت الخلية. لكن مع ذلك لكل نوع سمات مميزة يمكن تركيبها في نظام تصنيف بسيط، حيث يتم تصنيف كيانات موت الخلية بشكل أساسي إلى موت الخلية المبرمج (PCD) أو غير مبرمج  بناءً على اعتمادها على الإشارات أو الأوامر الخارجية والداخلية.   لماذا تعد دراسة الموت الخلوي مهمة؟ ما هي أهم المجالات التي يسهم فيها تقدم معرفتنا بالموت الخلوي؟ تكمن اهمية دراسة الموت الخلوي لدوره المهم الذي يلعبه في الفعاليات الحيوية، سواء الفسيولوجية أو المرضية. يعد موت الخلايا الفسيولوجي جزءًا مهمًا من النمو وتكاثر الخلايا والجوانب المختلفة للدفاعات المناعية. أما موت الخلايا الباثولوجي فهو عنصر من أهم الأمراض التي تصيب المجتمع الحديث. للموت الخلوي دور في كثير من العمليات البيولوجية، بما في ذلك التطور الجنيني والشيخوخة والعديد من الأمراض. ومن خلاله تعمل العديد من العلاجات الحالية (مثل مضادات الالتهاب غير الستيرويدية والعلاجات المضادة للسرطان) ولأنه تم تحديد الآليات الجزيئية المشاركة في إشارات الموت والتنظيم الجيني وتحديد المؤثرات فقد تم تطوير علاجات جديدة تهدف إلى تعديل موت الخلايا ومن المرجح أن تستخدم هذه الطرق في معالجة الأمراض الشائعة في السنين المقبلة. تظهر لنا البحوث في هذا المجال أن العديد من الأمراض البشرية تنجم عندما تموت الخلايا التي لا ينبغي أن تعيش أو لموت خلايا صحية. وبالتالي، فإن تعديل عمليات موت الخلايا المبرمج قد يوفر طرقاً قيمة للعلاج. من المعروف الآن أن العديد من الأدوية الموجودة  تعمل عن طريق تغيير مستويات موت الخلايا المبرمج. وتحفز جميع الأدوية الكيمياوية السامة للخلايا وبرامج العلاج الإشعاعي تقريباً موت الخلايا المبرمج في الخلايا السرطانية، وترتبط مقاومة موت الخلايا المبرمج بفشل العلاج. تحفز هذه العلاجات أيضاً موت الخلايا المبرمج في الخلايا الطبيعية، وتحد الآثار الجانبية على نخاع العظام والأمعاء والغشاء المخاطي للفم من الجرعة التي يمكن استخدامها. يوجد حالياً العديد من استراتيجيات العلاج الجديدة في التجارب قبل السريرية وتظهر نتائجها واعدة.    كيف تعمل البروتينات التي تنظم الموت الخلوي ولماذا تعد بروتينات مثل عائلة BCL مهمة جداً؟ هناك العديد من العوامل (معظمها بروتينات) التي تم تحديدها لتلعب دورًا حيويًا في موت الخلايا المبرمج. أهمها: الكاسبيسات ، وببتيد أميلويد-ب ، وعائلة البروتينات Bcl-2 ، وجين p53 ، وبروتينات الصدمة الحرارية. The caspases, the amyloid-B peptide, the Bcl-2 family of proteins, the p53 gene and the heat shock proteins. عمليات تنظيم هذه البروتينات للاستماتة هي عمليات معقدة ولكل منها دور في تنشيط أو منع الموت الخلوي ضمن ميكانزم محدد تسيطر عليه عوامل داخلية وخارجية تلعب دوراً في التنظيم الخلوي.  عائلة بروتينات Bcl-2 هي أفضل عائلة بروتينية متميزة تشارك في تنظيم موت الخلايا المبرمج، وتتألف من بروتينات أما مضادة للاستماتة او مشجعة للاستماتة. تمنع البروتينات المضادة للاستماتة من هذه العائلة ، مثل Bcl-2 و Bcl-XL ، موت الخلايا المبرمج إما عن طريق تفكيك الأشكال الأولية من بروتياز السيستين cysteine proteases الذي يقود الموت ويسمى الكاسبيز caspases (مركب يسمى apoptosome) أو عن طريق منع إطلاق عوامل موت الخلايا المبرمج للميتوكوندريا مثل السيتوكروم ج (cytochrome c)  و AIF (عامل محفز لموت الخلايا المبرمج) في السيتوبلازم. بعد دخول السيتوبلازم ، ينشط السيتوكروم c و AIF مباشرة caspases التي تشق مجموعة من البروتينات الخلوية لإحداث تغييرات موت الخلايا المبرمج. على النقيض من ذلك، فإن البروتينات المشجعة للاستماتة من هذه العائلة، مثل Bax و Bak، تحفز إطلاق caspases من مناهضات الموت عن طريق تحفيز محدد وأيضًا عن طريق تحفيز إطلاق عوامل الموت للميتوكوندريا عن طريق العمل على تغيير نفاذية اغشية الميتوكوندريا، مما يؤدي هذا إلى تنشيط caspases. وهكذا، فإن عائلة البروتينات Bcl-2 تعمل كنقطة قرار حاسمة بين الحياة والموت ضمن المسار المشترك لموت الخلايا المبرمج. كما ذكرت هناك عدد كبير من البروتينات التي تدخل في عملية الموت الخلوي أحب أن أشرح دور واحد منها وهو الجين المضاد للأورام p53. الجين الكابت للورم p53 هو جين له دور رئيسي في موت الخلايا المبرمج. تنشط ال p53 مجموعة متنوعة من المحفزات مثل تلف الحمض النووي والإشعاع المؤين والإشعاع فوق البنفسجي ونقص الأكسجة والصدمة الحرارية وتفعيل الجينات الورمية والأدوية السامة للخلايا. يبدأ P53 بعدة استجابات تشمل إيقاف انقسام الخلية وتنشيط الاستماتة ومحاولة إصلاح الحمض النووي. يحفز P53 التعبير عن بعض جينات عائلة Bcl-2 بما في ذلك تلك الخاصة بـ Bax وبروتينات BH3 . كما يمكن أن يرتبط P53 بواحد أو أكثر من بروتينات الميتوكوندريا المضادة للاستماتة، على سبيل المثال Bcl-XL ، وبالتالي يثبط تكوين مسامات في غشاء الميتوكوندريا  وما ينتج عن ذلك من إطلاق السيتوكروم  الذي يدفع بإكمال عملية الموت. الكاسبيسات  caspases هي عائلة من بروتياز السيستين cysteine proteases  التي تعمل كمؤثرات أولية أثناء موت الخلايا المبرمج لتفكيك معظم الهياكل الخلوية، بما في ذلك الهيكل الخلوي وتقاطعات الخلايا والميتوكوندريا والشبكة الإندوبلازمية وجولجي والنواة. cytoskeleton, cell junctions, mitochondria, endoplasmic reticulum, Golgi, and the nucleus   كيف يمكن أن نستفيد من فهمنا للموت الخلوي لمحاربة السرطان؟ في العقد الماضي، أنتجت أبحاث السرطان الأساسية تطورات ملحوظة في فهمنا لبيولوجيا السرطان وعلم وراثة السرطان. من بين أهم هذه التطورات هو إدراك أن موت الخلايا المبرمج والجينات التي تتحكم فيه لها تأثير عميق على نمط المرض الخبيث. على سبيل المثال، أصبح من الواضح الآن أن بعض الطفرات السرطانية تعطل موت الخلايا المبرمج، مما يؤدي إلى بدء الورم أو تقدمه إلى ورم خبيث. على العكس من ذلك، تشير الدلائل إلى أن التغيرات الجينية الأخرى تعزز موت الخلايا المبرمج، وبالتالي تنتج ضغطًا انتقائيًا لتجاوز موت الخلايا المبرمج أثناء التسرطن متعدد المراحل. كذلك، لقد ثبت الآن جيدًا أن معظم العوامل المضادة للسرطان والسامة للخلايا تحفز موت الخلايا المبرمج، مما يزيد من الاحتمال  بأن العيوب في برنامج موت الخلايا تساهم في فشل العلاج. نظرًا لأن الطفرات نفسها التي تثبط موت الخلايا المبرمج أثناء تطور الورم تقلل أيضًا من حساسية العلاج. هناك جهد بحثي مكثف يكشف عن الآليات الكامنة وراء موت الخلايا المبرمج ، بحيث يتصور المرء في العقد القادم أن هذه المعلومات ستنتج استراتيجيات جديدة لاستغلال موت الخلايا المبرمج من أجل تحقيق فوائد علاجية. تحدثت لكم عن p53 ودوره في الاستماتة. p53 جين مثبط للورم مرتبط بالاستماتة.  يمكن أن يحفز p53 موت الخلايا المبرمج عند الإفراط في التعبير عنه في الخلايا السرطانية، مما يشير إلى أن p53 قد يساهم في تنظيم عملية بقاء الخلية. أظهرت الدراسات التي أجريت على الفئران أن p53 يشارك في موت الخلايا المبرمج. ومن ثم، ثبت أن دور p53 في موت الخلايا المبرمج كان مرتبطًا بشكل غير مباشر بتلف الحمض النووي ويمكن أن يكون محفزًا للموت الخلوي المبرمج. من المعروف الآن أن المنبهات الأخرى يمكنها تنشيط البروتين p53 لتعزيز موت الخلايا المبرمج، بما في ذلك نقص الأكسوجين والجينات السرطانية المسؤولة عن عملية انقسام الخلايا.   سؤال من علي البهادلي (باحث دكتوراه في الميتوكوندريا) بجامعة جوتنبرغ: لماذا تكون هناك أدوية مقاومة؟ وهل هناك عملية توازن بالموت الخلوي تجعل الخلايا السرطانية تقاوم هذه العلاجات؟  تؤدي معظم العلاجات المضادة للسرطان إلى تحريض موت الخلايا المبرمج وشبكات موت الخلايا ذات الصلة للقضاء على الخلايا الخبيثة. ومع ذلك، في حالة السرطان، فإن إشارات الاستماتة غير المنظمة، وخاصة تنشيط الأنظمة المضادة للاستماتة، تسمح للخلايا السرطانية بالهروب من هذا البرنامج مما يؤدي إلى انتشار غير متحكم فيه مما يؤدي إلى بقاء الورم ومقاومة علاجية وتكرار الإصابة بالسرطان. هذه المقاومة هي ظاهرة معقدة تنبع من تفاعلات الجزيئات المختلفة ومسارات الإشارات. هناك عوامل مختلفة تساهم في مقاومة موت الخلايا المبرمج في السرطانات. وتشمل بروتينات Bcl-2 و Mcl-1 ؛   وإشارات بروتين الصدمة الحرارية ومسار البروتياز وآليات الوراثة اللاجينية.  ويمكن تحقيق مقاومة موت الخلايا المبرمج للخلايا السرطانية عن طريق الإفراط في التعبير عن أحد الجينات الورمية أو فقدان التعبير عن الجين الكابت للورم. ويشكل إنتاج السيتوكينات المثبطة للمناعة استراتيجية بقاء إضافية تستخدمها الخلايا السرطانية لتجنب التعرف على الجهاز المناعي. ...
ماذا قال تقرير اللجنة الدولية للتغير المناخي عما سيحدث في العقود القادمة؟ RS1127 Sep 202100:49:56
تقرير من 4000 صفحة صادر بلهجة جازمة من اللجنة الدولية للتغير المناخي يحذرنا مما سيحدث في العقود القادمة من تغير مناخي. الباحث في الرياضيات والمناخ بجامعة كورك والكاتب في العلوم الحقيقية حسن مازن يأخذنا بجولة سريعة حول ما ورد في التقرير ومنه نبذة حول ما يجب أن نخشاه في المنطقة العربية والشرق الأوسط: معنا في هذه الحلقة من بودكاست العلوم الحقيقية الكاتب في العلوم الحقيقية والباحث في الرياضيات حسن مازن والذي له بحوث تجمع بين الرياضيات والمناخ وقد قمنا باستضافته سابقاً في هذا البودكاست وقد تم الاستشهاد بدراسته[1] ضمن 14 الف مصدر آخر في تقرير التغير المناخي الصادر عن اللجنة الدولية للتغير المناخي[2] فأهلا وسهلا بك حسن. نص الحوار على موقع العلوم الحقيقية: https://real-sciences.com/?p=14282 رابط البودكاست: https://podcasts.google.com/feed/aHR0cHM6Ly9yZWFsLXNjaWVuY2VzLmNvbS9mZWVkL3BvZGNhc3Qv/episode/aHR0cHM6Ly9yZWFsLXNjaWVuY2VzLmNvbS8_cD0xNDI4Mg?sa=X&ved=0CAUQkfYCahcKEwiQ2b7Z-p7zAhUAAAAAHQAAAAAQAQ لعلنا نبدأ بتعريف اللجنة الدولية للتغير المناخي وحيثيات تأسيسها والتساؤل حول مدى دورية هذا التقرير والأساس الذي يصدر وفقه؟ اللجنة الدولية للتغير المناخي هي لجنة تابعة للأمم المتحدة وبالتحديد هي تابعة للمنظمة الدولية للمناخ وقد تأسست سنة 1988 وكانت مهمتها تتركز على انشاء تقارير حول التغير المناخي وكان الموضوع قد بدأ بالظهور الى السطح في حينها. اللجنة مؤلفة من مجموعة علماء من مجموعة دول وعدد الدول الأعضاء في اللجنة هو 195، واللجنة لا تمول ابحاثاً حول التغير المناخي بل تتابع الأبحاث المنشورة وتصدر تقارير حولها. وقد أصدرت اللجنة حتى الآن خمس نسخ من التقرير التقييمي الذي تكلمت انت عنه وقد صدرت النسخة السادسة وهي التي سنتكلم عنها الآن. كما تصدر تقارير مختصة أيضاً كل فترة. الإصدارات السابقة من التقرير التقييمي صدرت كان أولها سنة 1990 بعد سنتين من تأسيس اللجنة ثم تقرير آخر عام 1995، ثم 2001، 2007 والذي حازت اللجنة بسببه على جائزة نوبل للسلام بالمناصفة مع ناشط البيئة ال غور السياسي الأمريكي. وفي عام 2014 أصدروا تقريراً آخر وقد كان به تفاصيل كثيرة وقد اتخذ اساساً لما اتفقت عليه الدول في اتفاق باريس. اللجنة  هي لجنة دولية وقد تكون خاضعة لبعض الآراء السياسية لكنها تتمتع بمصداقية كبيرة في المجتمع الدولي وتتم المصادقة على نتائجها من جميع الدول الأعضاء.   الفت النظر للمستمعين ان حجم التقرير هو 4000 صفحة وهو من اكبر الملفات العلمية التي اطلعت عليها، وانت من نبهني اليه، فهل لك ان تحدثنا عنه؟ ما ابهرني اكثر بالتقرير هو أنهم راجعوا 14 الف ورقة بحثية، وكانت هذه المرة الأولى التي يشير فيها التقرير الى ما يسمى نقاط التحول في التغير المناخي (tipping points). كما وجدت الأهم بالتقرير هو لغة الجزم الواردة في التقرير والتي كانت غير مألوفة في التقارير العلمية والغرض منها هو التأثير السياسي على صانعي القرار، وكأن التقرير يثبت بما لا يدع مجالا للنقاش أن نشاط البشر الصناعي هو المسبب للتغير المناخي، وأنا اجد ذلك لافتاً للنظر وجديداً بالمقارنة مع التقارير التي أصدرتها اللجنة سابقاً.   ما هو تاريخ دراسة التغير المناخي ومتى بدأ يصبح موضعاً للاهتمام، هل يمكن ان نجد فيه أبحاث قديمة أم أنه امر بدأ البشر بالعمل عليه مؤخراً؟ دراسة تأثير غازات الدفيئة، او غازات الاحتباس الحراري بدأ يثير الانتباه في منتصف القرن العشرين تقريباً. كارل ساغان كان أحد الأوائل ممن التفتوا لهذا الأمر مبكراً وكان احد أوائل الناشطين في مجال التغير المناخي والسبب كان متعلقاً بمجال دراسته وهو دراسة المناخ في كواكب المجموعة الشمسية. وتحديداً قضية كوكب الزهرة، كونه ثاني اقرب كوكب للشمس، وهو تقريبا نفس الحجم والكتلة والكثافة مع الأرض لكن مع فرق ارتفاع نسبة ثنائي أوكسيد الكاربون في الغلاف الجوي للزهرة، وعندما نقارن درجة الحرارة بين الزهرة والأرض فإنها بالمعدل 470 درجة مئوية على الزهرة، في حين أنها بالمعدل16 درجة مئوية على الأرض وهذا فرق كبير جداً بين الاثنين. يمكن ان نقول ان قرب الزهرة من الشمس هو ما يجعله بهذه الحرارة، لكن عندما نقارن مع عطارد الذي هو اقرب للشمس فإن له معدل حرارة اقل بـ 30 درجة مئوية من الزهرة وهذا كبير جداً، تخيل أن جميع اتفاقيات التغير المناخي تتكلم عن درجتين مئويتين بالمعدل في حين نجد 30 درجة مئوية بين الزهرة وعطارد والسبب في ذلك هو كثافة الغلاف الجوي للزهرة وهذا ما دفع كارل ساغان ليكون من أوائل ناشطي التغير المناخي في السبعينات والثمانينات. أدت جهود ساغان الى تأسيس لجان في الأمم المتحدة حول غازات الدفيئة وقادت العملية الى تأسيس اللجنة الدولية للتغير المناخي بعدها.   تطرقت في بحثك لموضوع نقاط الانقلاب وقد كتبت عن بحثك سابقا في موقع العلوم الحقيقية لكن هل يمكن ان نعرج على الموضوع مرة أخرى وأن نشرح عن نقاط الانقلاب مرة أخرى؟ نقاط الانقلاب (tipping points) هي عبارة عن نقطة في النموذج الرياضي عندما نصل اليها يتغير سلوك النظام بشكل حاد جداً. على سبيل المثال، الظاهرة التي درستها في المناخ والتي تم الاستشهاد بها في التقرير تتعلق بتيار الملوحة والحرارة في المحيط الأطلسي، سبب تفاوت درجات الحرارة والملوحة هو وجود تيارات مائية تنتقل من جنوب المحيط الأطلسي الى شماله والعكس وهذه التيارات تساعد بمعادلة درجة الحرارة بين الجزء الجنوبي والشمالي من المحيط الأطلسي وتعطي شمال وغرب أوروبا درجة حرارة معتدلة وتجعله قابلا للعيش والازدهار. دلت بحوث كبيرة على علاقة ذوبان الثلوج بمنطقة جرين لاند في شمال الكرة الأرضية بهذه العملية. ما اوضحناه في النموذج الرياضي هو إمكانية حدوث نقطة انقلاب وتغير حرجة من دوران المياه في المحيط  الى توقف ذلك الدوران وهذا سيعطي جزء شمالي بارد من المحيط الأطلسي وجزء جنوبي دافئ نسبياً من المحيط الأطلسي. تشبه العملية ما يظهر في فيلم (The day after tomorrow) والذي يظهر مدى سرعة حدوث التغيرات. اليس هذا هو الفيلم الذي يظهر الولايات المتحدة وكأنها القطب الشمالي؟ نعم بالضبط، والفكرة ان هذه التيارات تأخذ الحرارة من جنوب المحيط الأطلسي الى شماله وبالتالي تساعد على ان يكون الجزء الشمالي دافئ نسبياً، وبالتالي فإنه يصبح قابلا للعيش. اذا ما توقفت هذه العملية فإن ذلك سيؤدي انخفاض درجات الحرارة الى حدوث انجماد جزئي في أوروبا وامريكا. طبعا الفيلم يصور الموضوع بطريقة متطرفة ويصور التغير بسرعة كبيرة، وهذا مبالغ به فالبحوث تقول ان هذا الامر لو حدث فسيتحول على مدى مئات السنين.   في بحثك السابق والذي ناقشناه في البودكاست أيضا حول نماذج الافتراس، واذكر انك ذكرت انه كان لديكم ما يشبه البيئة الافتراضية التي فيها جميع المتغيرات، وهنا قد يقول قائل ماذا لو زادت الحرارة درجة او درجتين، وفقاً لنماذج مثل هذه كيف يمكن ان تجيبون حول ما الذي قد تفعله درجة او درجتين من التغيير؟ سؤال ممتاز، المشكلة في ارتفاع حرارة الأرض او في التغير المناخي هو انه ليست الحرارة فقط سترتفع بل ستتغير متغيرات أخرى كثيرة مثل الامطار او تفاوت درجة الحرارة بين الليل والنهار. على سبيل المثال، في البحث الذي اشرت له، نظرنا الى مجموعة بيانات مسجلة من 1880 الى الوقت الحاضر ورأينا معدلات هطول الامطار في غابات الشمال التي تقع في كندا وشمال الولايات المتحدة وقد لاحظنا ان هناك معدل معين لهطول الامطار من 1880 الى منتصف القرن العشرين، ثم هناك تغير ومعدل مختلف تماما بعد 1940. اذا التغير المناخي يطال متغيرات أخرى في النظام البيئي والتي تؤثر على الحيوانات التي تعيش في المنطقة المتأثرة بذلك.   تتجه الأمور بنا بهذا الحوار الى الجزء الذي نتخصص به في العلوم الحقيقية وهو التشكيك والرد على التشكيك الباطل الذي يشكك بصحة الآراء العلمية. تطرقت الى دور ثنائي أوكسيد الكاربون وزيادته، والذي قد يقول قائل حوله انه قد يكون طبيعياً. في مقالي المنشور في العلوم الحقيقية لخصت دراسة تكلمت عن ما سمي بالألفية السوداء قبل 6000 سنة وكيف تغير المناخ حينئذ ليقلب وجه الشرق الأوسط وحول شبه الجزيرة العربية الى صحراء وترتبت على ذلك أمور مثل هجرة الشعوب السامية وتغيرات أخرى كثيرة. السؤال هنا، لماذا لا يكون التغير المناخي الحالي مثل ذلك التغير؟ انت ذكرت نقطة المقارنة بين الزهرة وعطارد، لكن عدا ذلك كيف نثبت الصلة مع نشاط البشر؟ هناك نقطتين حول الموضوع، اولاً ان الأرض عانت من تغيرات مناخية كثيرة، الغلاف الجوي كان سابقاً ساماً ولا يسمح بالحياة على الأرض ثم حدثت تغيرات مناخية جعلت الأرض صالحة للحياة. هناك أيضاً عصور جليدية، تغيرات مناخية في افريقيا ساعدت الجنس البشري على الهجرة من افريقيا الى باقي انحاء العالم، العصور الجليدية التي عززت البشرة البيضاء لدى البشر، إذاً فالأرض مرت بتغيرات مناخية كبيرة وكلها أدت الى تغيرات كبيرة على الكائنات التي كانت تعيش على الأرض. السؤال الآن، هل التغير الحالي يمكن ان يحدث لو لم يكن البشر موجودون على الأرض؟ ولماذا يعتبر هذا التغير سيئاً لنحاول العمل ضده او لنقلل من اثاره؟ حول السؤال الأول انا أعطيت مثال الزهرة وعطارد، حيث ان كوكب بخصائص شبيهة للأرض لكن مع المزيد من ثنائي أوكسيد الكاربون يكون المناخ مختلفاً تماماً. النقطة الثانية، هل نختلف من الأساس حول أثر ثنائي أوكسيد الكاربون كغاز دفيء؟ يمكن ان نثبت هذا في تجربة مدرسية، وعائين فيهما كميتين من غاز ثنائي أوكسيد الكاربون ووعاء اخر بتركيز اقل من ثنائي أوكسيد الكاربون وسنجد ان الوعاء ذو ثنائي أوكسيد الكاربون ستكون حرارته اعلى بعد تعريضهما للحرارة. فكرة الاحتباس الحراري قائمة على الكيفية التي تتعرض بها الأرض لأشعة الشمس، ما يحدث هو أن جزء من اشعة الشمس التي تسقط على الأرض تمتصه الأرض وتبعثه على شكل موجات تحت الحمراء ولكن مع وجود ثنائي أوكسيد الكاربون فان الغلاف الجوي يصبح اكبر قدرة على امتصاص تلك الموجات وهذه العملية ساعدت الكوكب على ان يدعم الحياة في البداية، لكن من ناحية أخرى، لو زادت نسبة ثنائي أوكسيد الكاربون فإن ذلك سينتج اثار التغير المناخي التي نراها. الجانب الآخر، يمكن قياس ما اضفناه من ثنائي أوكسيد الكاربون منذ بداية التغير المناخي، كما ان من الممكن قياس درجة الحرارة تاريخيا خلال تلك الفترة. وبمقارنة هذين سوية، يمكن أن نجد ترابط احصائي كبير بين ارتفاع ثنائي أوكسيد الكاربون الصناعي وبين ارتفاع درجة حرارة الأرض. إذاً من ناحية لدينا أساس فيزيائي لدور ثنائي أوكسيد الكاربون في الاحتباس الحراري، ومن ناحية أخرى لدينا دليل على وجود ترابط احصائي بين الاثنين.   هل يمكن ان نضيف نقطة وهي ان التغير الأخير هو تغير متطرف لم نشهد له مثيل في السابق؟ نعم هذا هو مما أشار له التقرير. وأود ان اشير ايضاً الى ان التقرير هو جزء من مجموعة تقارير، واهمية هذا التقرير هو أنه يشير للاسس الفيزيائية للتغير المناخي لذا فعندما تقرأه فلن تجد أي إشارة الى سبل معالجة التغير المناخي او القضايا السياسية بل ستجد فقط نظريات ونمذجة فيزيائية بحتة. يؤكد التقرير ان حالات التطرف المناخي التي نراها من موجات جفاف وسيول وحرائق هي حالات لم يشهد كوكب الأرض مثلها منذ آلاف السنين والحدة فيها غير مسبوقة وهذه النقطة تدعم كون التغير ناتج من أنشطة البشر.   ما المقصود بزيادة درجة الحرارة درجة او درجتين فيما يذكر ضمن اتفاق باريس للمناخ وغيره؟ هذا سؤال مهم وكنت انا ممن لا يفهمون هذا جيداً. ذكرت سابقاً ان معدل حرارة الأرض الآن هو 16، ولدينا سجلات تمتد الى عام 1880 تقريباً وعندما نشاهدها نرى ان هناك صعود. ما فعله هو العلماء هو انهم اخذوا درجة حرارة قياسية وهي الممتدة بين 1950 الى 1980 ثم صاروا يقيسون كم انخفضت او زادت عن ذلك منذ 1880 الى الآن عن تلك الحرارة القياسية. فوجدوا انها كانت أقل بنصف درجة مئوية ثم بدأت الزيادة الإيجابية في الخمسينات، وحتى نهاية السبعينات استقرت الحرارة عند ذلك المعدل القياسي والذي كان 14، ثم بع
الخرافة والعلم الزائف بمواجهة القانون: حوار مع المحامي حيان الخياط RS10‎08 Jul 202100:43:57
رابط المقال في الموقع: https://real-sciences.com/?p=13814 رابط البودكاست هذه المرة لنا لقاء مع ضيف غير مألوف لكنه معروف لمن دأبوا على القراءة في موقع العلوم الحقيقية. انه الكاتب السابق في موقع العلوم الحقيقية، المحامي المختص بالقانون الجنائي حيان الخياط. نرحب بك معنا حيان: شكراً لك عمر، وتحية طيبة لكل من يستمع لنا. توقفت عن كتابة المقالات يا حيان وأخذك القانون من المجالات العلمية ومن البحث في تفنيد العلوم الزائفة. لذا سنحاول هذه المرة أن نستفيد من مجالكم بقضية لطالما أردنا طرحها في الموقع وهي: "القانون ومكافحة العلم الزائف والخرافة"، وربما يمكن أن نبدأ بسؤال كبير جداً لك ان تتفرع منه: كيف نستطيع بالسبل القانونية مواجهة الخرافة والعلم الزائف وكيف هو الحال في العراق والدول العربية قضية السحر والشعوذة والعلاجات غير المعتمدة طبيا وعلميا هي قضية واسعة جدا وكبيرة قد يكون فيها جزئيات تناولها القانون فيما لم يشر القانون لقضايا أخرى. فضلاً عن شق آخر وهو القضايا التي ظهرت بعد تشريع القانون مثل الكثير من العلاجات الزائفة والتي ظهرت بفترة تلت فترة تشريع القانون. أي، القانون الذي نتكلم عنه والمختص بهذه الشؤون في العراق او في الدول العربية، مثلا قانون العقوبات العراقي صدر عام 1969 وقد حصلت الكثير من التطورات بعد ذلك كما ظهرت أساليب غير طبية وغير معمول بها في المراكز البحثية ولم يكن هناك تطور قانوني لمتابعتها ومراقبتها بشكل جيد. قضية تعامل القانون مع هذه الأمور تعتمد على القضية. مثلاً هناك من يدعي معالجة الناس لكنه ينتهي بالإضرار بهم، كما أن هناك أشخاص آخرين يقدمون أنفسهم على أنهم معالجين روحانيين محاولين الحصول على أموال أو انهم يقومون بابتزاز الأشخاص. هناك حالات كثيرة مختلفة لا يمكن الجزم بها والجزم بموقف القانون منها. ليس هناك جواب واحد لهذا في القانون، لكن هناك جزئيات واجهها القانون واصدر عقوبات لها. من الممكن ان نبدأ بملف معين، بما ان نظرة القانون متباينة، فيمكن ان نبدأ بالخرافة. وسنعيد تعريف الخرافة لمن لم يعرف الفرق بينها وبين العلم الزائف. الخرافة هي منهج او طريقة للتعامل مع الكون وقوانينه برؤية لا تمت بصلة لقوانين الطبيعة وتستند إلى قواعد خرافية او اسطورية تم انشاؤها بمعزل عن أي طريقة تجريبية او علمية. من الأمثلة على الخرافات قضية السحر. نبدأ بالخرافة وبالعلاج.. ثم ننتقل الى العلم الزائف وكشف ما هو علمي وما هو غير علمي من السبل العلاجية، ثم نناقش القضايا التي ليس لها علاقة بالعلاج مثلا القضايا التي تستهدف أموال الناس وجيوبهم او التنبؤ بالغيب أو غير ذلك مما يحقق ضرراً مباشراً أو غير مباشر. لنبدأ بالعلاج بالخرافة وقد ذكرت السحر والشعوذة والرقية الشرعية. لنفترض أن شخص ما يمارس العلاج بالقرآن أو يقرأ ادعية معينة او يقوم بالسحر ويدعي معالجة أمراض مزمنة وهذا يؤدي إلى أخطار مثلا مرض السكر أو أمراض مستعصية كالسرطان. الآن لو أردنا مواجهة هذا الشخص قانوناً فكيف يمكن القيام بذلك؟ هناك الكثير من الدعاوى للشكوى من اشخاص يستخدمون هذه الوسائل لادعاءهم أنهم يستطيعون معالجة الناس او تقديم خدمات روحانية للناس. لكن قبل أن ندخل بالموضوع فأود ان ألفت النظر لنقطة معينة حول قانون ممارسة الطب في العراق. وبالفقرة التي تتعلق بمن يحق له ممارسة الطب والتي تنص على: "كل شخص يمارس الطب أو أي نوع من فروعه أو يحاول ممارسة ذلك أو ينتحل أي تسميه أو لقب أو علامة  كانت تدل على انه مرخص له ممارسة الطب أو أي نوع أخر من فروعه من غير سابق تسجيل  أو ترخيص بموجب هذا القانون يعاقب بالحبس والغرامة"[1] يعني هذا النص الذي تحدث عن تجريم ومعاقبة الأشخاص الذين ينتحلون صفة الطبيب بعقوبة 5 سنوات فما دون او الغرامة التي هي مليون أو أقل من ذلك (حوالي 750 دولار بحسب سعر الصرف في صيف 2021). هل يمكن أن يتهربوا وأن يقولوا أنهم لا ينتحلون صفة الطبيب؟ بالضبط، هنا تكمن الإشكالية، هذه القضية محددة جدا وهي تنحصر بمن ينتحلون صفة الطبيب. وهذا لا يعني أننا نستطيع شمل أشخاص يمارسون أعمال يقولون إنها غير طبية (روحاني مثلا او ديني) ويعترف الشخص بوضوح بانه ليس طبيباً وبالتالي فيمكن ان ينجو من المحاسبة. وكذلك هناك قانون مشابه حول الصيدلة. لكن لو اردنا ان يكون الموضوع واضح والمحاسبة مباشرة فيجب أن تجرى تعديلات على هذه القوانين لتشمل جميع من يقوم بمحاولة معالجة الناس. أي لدينا إشكالية تشريعية من الأساس، فالتشريع لا يلبي التسارع في القضايا الطبية. لكن القضاء العراقي بشكل عام وعندما يرى أن هناك من يتقاضى أموالاً مقابل تلك الخرافات فيتم الرجوع الى المادة 465 قانون العقوبات العراقي والمتعلقة بالنصب والاحتيال. والتي تنص على[2] "يعاقب بالحبس كل من توصل الى تسليم او نقل حيازة مال منقول مملوك للغير لنفسه او الى شخص اخر وذلك بإحدى الوسائل التالية : أ-باستعمال طرق احتيالية" أي أن الموضوع يذهب الى اطار مادة عامة جداً تتعلق بافعال واسعة النطاق يمكن شمول الشعوذة والسحر ضمن نطاقها وهذا ما يتم العمل به حاليا في المحاكم باعتبار هؤلاء الأشخاص نصابين وتتم محاكمتهم. لكن هذا من الممكن أن يثير قضية أخرى وهي أن الدجالين يمكن ان لا يطلبوا اموالاً ويقولون نحن نقوم بهذا الفعل لوجه الله او دون طلب شيء وبهذه الحالة فلن يكون من الممكن ادانته لأنه لا يحاول الحصول على أموال. أي حتى هذه المادة الواسعة المتعلقة بالنصب والاحتيال لن تنطبق عليه.   الصورة تبدو ناصعة وجميلة من ناحية القوانين لكن هل يتم تطبيق هذه القوانين؟ لماذا نرى في شوارع بغداد مراكز قائمة على الخرافة، أي حتى ليس على الطب البديل؟ نعم الامر واضح هؤلاء يظهرون أنفسهم دون أي محاولة للتخفي او التورية في طبيعة عملهم في المعالجة بالطرق الخرافية والطرق غير العلمية. أحد التقارير من مجلس القضاء الأعلى[3] ذكر أن محاكم التحقيق في بغداد تستقبل عدد كبير من الدعاوى حول هذه القضايا بما يمكن القول إنه أصبح ظاهرة سواء في الاحياء الراقية او الفقيرة. كلها تواجه مشكلة وجود أشخاص يعالجون الناس بطرق شعبية او طرق خرافية ويسمون أنفسهم الروحانيين ولهم مكاتب وقد ذكر كل ذلك في التقرير الصادر عن مجلس القضاء. وهذا يدل على حاجتنا القانونية لتجريم هذا الفعل بشكل واضح في القانون اما حالياً فيتطلب الأمر اللجوء الى المادة 456 والتي ستتطلب اثبات وجود نصب واحتيال حتى تتم محاكمة الشخص. هل تم هذا الشيء؟ هل تمت معاقبة اشخاص بأغلاق محلاتهم او حبسهم؟ لم يذكر هذا الشيء حول متابعة أشخاص معينين لكن التقرير تطرق لوجود شكاوى ولفتح إجراء معين تم على ضوءه تشكيل فريق عمل لمواجهة هذه القضية. من وجهة نظركم كمحامي، لو اردت انا ان ارفع دعوى على مركز يمارس العلاج الروحاني وانا لم اذهب لهذا المركز بل فقط قرأت ما ذكره من أساليبه العلاجية، هل يمكن ان أقوم بذلك؟ يعني ستكون مخبراً. القانون يسمح لك بالإخبار عن وقوع جريمة وهذا حق ولا شيء يمنع ذلك. ويمكن اخبار الجهات الصحية ايضاً التي ستقوم بتفتيش هذا المكان. لكن تقدير وجود جريمة من عدمه فهذا يعود للمحكمة. صاحب المحل هذا والذي يدعي العلاج ستحاكمه المحكمة بحسب الأدلة المعروضة أمامها فإن وجدت ان هنالك دليل كافي فإنها ستدينه واما ان لم تجد دليل ضده فستفرج عنه. هل هناك أمثلة؟ الأمثلة التي حدثت كتطبيقات في القضاء العراقي غالبا ما يكون لها جانب يتضمن اخذ أموال فيتم اعتبارها قضية نصب واحتيال او يتم وقوع جريمة أثناء مزاولة الفعل. احدى القضايا التي يمكن ان نذكرها تتعلق بالرقية الشرعية حيث صدر قرار عام 2013 والذي تكلم عن العلاج بالرقية الشرعية والذي أدى الى الوفاة وهو حول وفاة امرأة نتيجة لخضوعها لهذا العلاج الخرافي لاسيما بعد أن ضربها المعالج بآلة جارحة وقد أفضى ذلك الى وفاتها. بهذه الحالة لم يكن يقصد هذا الشخص قتلها، لكنه كان يريد القيام بمجموعة من الإجراءات التي يدعي بانها ستعالجها ومنها استخدام الة جارحة ، والقانون ينظر لذلك على أنه "ضرب مفضي الى الموت" وقد عوقب على جريمة الضرب المفضي الى الموت.   لكن هل يمكن ان تكون حالات أخرى تتم فيها مقاضاة دجال معين وإيقاف عمله نتيجة لذلك؟ مثلا مقاضاته من قبل نقابة الأطباء؟ شخصيا ليس لي اطلاع عن حالة كهذه وقد تكون موجودة.   ننتقل الى قضية العلم الزائف والذي يشمل الطب البديل مثل أساليب العلاج بالأعشاب او تقويم العظام او العلاج بالكهرباء كما كتبنا سابقا في العلوم الحقيقية او العلاج بالطاقة الذي يمكن اعتباره خرافة اكثر من اعتباره علما زائفاً، ما الحل تجاه هؤلاء؟ هل تتم مقاضاتهم بالطرق السابقة فقط؟ العلاج بالوخز او العلاج بالكهرباء قد يمكن التعامل مع هؤلاء على أنهم ليس لديهم إجازة تنظم مزاولتهم للعمل، وبذلك يمكن ان يتم تغريمهم، لكن ان تتم محاكمته امام القضاء فأرى ذلك موضوع بعيد الاحتمال. ماذا عن تسلل العلوم الزائفة الى المؤسسة الرسمية؟ بلغني من صديق يعمل في وزارة الصحة ان كثير من المستشفيات ودوائر الصحة تنشر عن دورات لمزاولة العلاج بالوخز، ما الذي يمكننا فعله تجاه ذلك كأعلام علمي او كمواطنين عندما تتبنى المؤسسة الرسمية علاج زائف؟ عندما نواجه الجهات الرسمية نكون أمام شخص له سلطة رسمية وهو الموظف. أي كان من يريد الشكوى فعليه أن يقوم بالشكوى عند الجهات المرجعية الأعلى وسيجري التحقيق حول هذه العلاجات غير المعتمدة رسميا. لدينا إطار محدد بحيث لا يمكن التعامل مع علاجات غير مثبتة علمياً. يمكن ان تتم الشكوى وسيعاقب هؤلاء إداريا وقد يتطور الموضوع الى معاقبتهم من قبل القضاء ايضاً.   هل يمكن أن تكون الشكوى بطريقة اعتيادية ام تتم بإجراءات معقدة شبيهة بإجراءات الذهاب الى المحكمة؟ إجراءات المحكمة هي ذاتها لكن إجراءات الجهات الصحية يمكن عن تتم عن طريق الاتصال بهم وهناك ارقام هواتف مخصصة لاستقبال الشكاوى ويمكن تقديم الشكوى لها. هل يميز القانون العراقي بين العلم الزائف والخرافة؟ هل يميز بين شخص مثلا يقوم بالعلاج بالرقية مقابل شخص يقوم بالعلاج بالأعشاب؟ هناك ضرر مختلف في الأساليب المختلفة هذه ويمكن أن تكون سبل متابعة بعض الوسائل ممكنة بشكل أكبر في إطار العلاج والقضايا الطبية القانون لا يتدخل لأنها متغيرة وتتعلق بالباحثين أكثر مما تتعلق بالقانون. هناك إجراءات في كل مستشفى وفي كل مركز صحي بحسب ما تم تدريسه في كلية الطب واي تجاوز لهذه البروتوكولات يعطي الحق بالشكوى ضد من يخرقها. أي نتيجة تتم بناءً على علاج غير مرخص او غير معتمد من قبل المستشفى يمكن أن تعتبر جريمة لو أدت لحدوث ضرر. ماذا عن الادوية التي لا تعمل او التي تم ابطال عملها من قبل هيئات ورقابية. هل لدينا نظير لوكالة الدواء والغذاء الامريكية مثلا؟ في وزارة الصحة هناك جهات تختص برفض او قبول الادوية لكن ليس بالسرعة التي لدى المؤسسات الكبرى كوكالة الدواء والغذاء الامريكية. لو تم إيقاف العمل بدواء معين في مكان اخر في العالم لكن المؤسسة العراقية تتأخر في إيقاف العمل به، هل تعرفون حالة كهذه؟ ولو حدثت فهل يمكن مقاضاة وزارة الصحة لعدم ابطالها العمل بهذا الدواء؟ ما يحصل عندنا هو غالبا ما يتعلق بوفاة شخص نتيجة دواء معين او تعرضه لضرر، لكن ان يتم تلقي العلاج بعد أن تم إيقاف التعامل به فإن من ستتم مسائلته سيستشهد بالتعليمات السابقة محاولا اخلاء مسؤوليته. ومن سيشتكي هنا سيقدم الأبحاث الجديدة ويحتج بأن الأطباء والجهات الرسمية عليها أن تطلع على الأدلة والأبحاث الجديدة والمدة التي مضت. إذا ما كان هناك تأخير وصل الى سنوات فإن شكوى كهذه قد تؤدي الى معاقبة الجهة التي لم تأخذ بالأبحاث الجديدة. لكن لو كانت الفترة للاستجابة قصيرة (أيام او أشهر) فقد لا تتم معاقبة الجهة.   ماذا عن العلوم الزائفة والخرافات غير العلاجية مثل العرافة وأدوات جلب الرزق وجلب الحظ؟ افترض أن جميع هذه تندرج تحت النصب والاحتيال وان الشخص يحتاج فقط الى اثبات دفعه المال لتتم ادانة الشخص بالنصب والاحتيال. ...
رحلة في أبحاث نسخ الحمض النووي للميتوكوندريا مع الباحث علي البهادلي RS09‎08 May 202100:53:42
الميتوكوندريا "دولة داخل دولة"، جسم يتواجد داخل الخلية لكنه غريب، له مادة نووية ويبدو وكأنه خلية أخرى تستوطن في الخلية الحية. متى ظهرت في الكائنات الحية؟ ما هي وظائفها الأخرى؟ كيف يُمكن أن تتسبب بشيخوخة مبكرة والاصابة بالسكري والفشل الكلوي والوفاة المبكرة في حالات معينة؟ رابط المقال على الموقع: https://real-sciences.com/?p=13726 لقراءة نص الحوار في المجلة: العدد 42 من مجلة العلوم الحقيقية. رابط البودكاست على جوجل بودكاست حوارنا لهذه المرة في بودكاست العلوم الحقيقية هو مع الدكتور علي البهادلي، بكالوريوس وماستر في العلوم الصيدلانية من جامعة جوتنبرج ودكتوراه من نفس الجامعة في البيولوجيا الجزيئية والكيمياء الحيوية وقد ناقش رسالة الدكتوراه مؤخراً في مجال استنساخ الحمض النووي للميتوكوندريا وهي موضوع حديثنا في هذا البودكاست. أهلا وسهلا بك عمر وبالمستمعين الأعزاء، من سعادتي ان اتواجد في هذا البودكاست وأن اتواصل مع متابعي العلوم الحقيقية. شكراً جزيلاً لحضورك، وانا متشوق للبدء بالموضوع، الفكرة الأولى او السؤال الأول لدي هو ما هي قصة الميتوكوندريا، نرى أن هناك حمض نووي للميتوكوندريا، يبدو الأمر وكأن هناك دولة داخل دولة، خلية داخل خلية؟ فما هي القصة؟ جميعنا نذكر في كتب العلوم ما يسمى ببيوت الطاقة أو المتقدرات او الميتوكوندريا بحسب اختلاف التسميات وهي واقعا جزء من العضيات الموجودة في الخلايا. يعود اكتشافها الى سنة 1857 على يد العالم البيرت فون كوليكر (Albert von Kölliker). ظهر تحت المجهر في حينها ان هناك شيء اشبه بالخيوط. لكن هذه الخيوط بقيت مجهولة حتى سنة 1898 عندما أعطيت الاسم ميتوكوندريا على يد العالم كارل بندة (Carl Benda). وتسمية ميتوكوندريا تعني المتقدرات الخيطية. والميتوكوندريا كما يوحي اسمها بالعربية هي المركز الذي تصنع به اهم جزيئة او العملة للطاقة في الجسم وهي الادينوسين ثلاثي الفوسفات (ATP). والاي تي بي هو بمثابة العملة في الطاقة للعمليات الحيوية المختلفة، مثلما ان الدولار في العالم اليوم هو العملة في الكثير من العمليات الاقتصادية. أصل الميتوكوندريا بقي مجهولاً حتى جاء آلتمان (Richard Altmann) الذي بحث في أصول الميتوكوندريا، وبعد تحليله لشكلها - في وقت لم تتوفر فيه الأجهزة الحديثة اللازمة – اسماها بالخيوط الشبيهة بالأحياء المجهرية (bioblasts) أو الأرومات الحيوية. وأصل الميتوكوندريا حتى الآن يقترب من ملاحظة آلتمان في ذلك الوقت وهي كونها شبيهة بالأحياء المجهرية أو كأنها خلية داخل الخلية، فهي قد تكون خلية هاجمت خلايا الكائنات الحية متعددة العضيات في وقت ما في تاريخ سحيق. وفي العام 1963 حاول كل من مارغريت وسيليفان ناس (Margit and Sylvan Nass) ان يفهما الميتوكوندريا في أجنة الدجاج، وقد رأوا أن هذه العضيات تحمل حمضاً نووياً خاصاً بها، وهنا كان الاكتشاف الكبير بأن لهذه العضيات حمضها النووي الخاص بها المنفصل عما موجود في النواة الاعتيادية. هناك مجال آخر قد يعلمون بهذه القصة، وهم المختصون بفحوصات الحمض النووي الذين يستخدمون هذا الحمض النووي في تتبع سلالة الأمهات، فهل هو قادم من الأم؟ المميز بهذا الحمض النووي هو أننا نرثه عن طريق الأم فقط. وهناك نظريتان لتفسير ذلك، الأولى ما يصب حول أن استنساخ الحمض النووي للميتوكوندريا يكون محدوداً جداً اثناء تكوين النطف، اما الثانية فهي أنه رغم قلة الميتوكوندريا في خلايا الحيوانات المنوية فإن هناك آلية خاصة لتكسير الحمض النووي القادم من ميتوكوندريا الرجل بعد التخصيب. وبذلك يمكن للعلماء أن يتتبعوا خط وراثة الأمهات عبر الحمض النووي للميتوكوندريا ومعرفة أنها قادمة من الأمهات وهناك تسمية شعبية للميتوكوندريا (عضية حواء) لأنها آتية عن طريق الأم فقط. رغم ذلك، حتى الان الدراسات لم تظهر السبب الرئيسي لوجود الميتوكوندريا من الأمهات فقط. لكن لو حللنا مقدار بيوت الطاقة بين النطف والبيوضات، لوجدنا بحدود 100 ألف نسخة من الحمض النووي للميتوكوندريا في البويضات بينما في النطف هناك فقط خمسة آلاف نسخة. إذاً هناك نوع من السيطرة من خلال العدد. تفسير وجود هذا العدد الكبير من نسخ الحمض النووي هو عدم وجود آلية لإصلاح الحمض النووي في الميتوكوندريا فنجد ذلك التراكم في تلك النسخ. لذا وللسيطرة على الطفرات الوراثية في الحمض النووي للميتوكوندريا صار هناك نوع من الانتقال الأحادي للجينات والذي يمكن تفسيره أيضاً بنشوء الميتوكوندريا التي نجدها شبيهة بخلايا البكتيريا البدائية وهذا ما يعزز الفرضية بأنها كانت خلية اقتحمت الخلية الحية، وصارت جزءاً منها. متى حدث ذلك؟ ما هي الكائنات التي نتوقع ان نجد فيها الميتوكوندريا؟ جميع الحيوانات التي تملك نواة للخلية او عضيات الخلية والتي تختلف عن البكتيريا والكائنات البدائية، جميع هذه تمتلك الميتوكوندريا، فقط هناك نوع من الأسماك لا تمتلك الميتوكوندريا بالصيغة التي نعرفها بها لكنها تمتلك ذات الجينات الموجودة لدى الميتوكوندريا في الانسان بنواة خلاياها. أيضا هناك نوع من الأسماك لديها نوع من الميتوكوندريا لكن دون وظائف. يعني نحن نتكلم عن أمر حدث في الفقريات؟ أو ما قبل الفقريات ربما، إذ يمكن ان نجد الحمض النووي الموجود لدى الميتوكوندريا في الخميرة. لديها ميتكوندريا ذات جينوم معقد جداً.  متى حصل ذلك التطور؟ ما زال النقاش محتدما حول هذا الأمر، فمعرفتنا بهذا المجال ما زالت محدودة ولا يعتبر هذا المجال من المجالات غزيرة الأبحاث، فلم نكتشف الميتوكوندريا حتى عام 1963 ولم تحلل جيناتها حتى عام 1983. لكن نظرية البكتيريا التي هاجمت الخلايا البدائية واندمجت بها هي النظرية الأكثر شيوعاً.  لو حللنا الجينات الأخرى الموجودة في الميتوكوندريا لوجدنا أنها من الصعب أن تنتقل عبر الغشاء البلازمي، لذا يعتقد ان الخلايا بقيت محافظة على الخلايا المنتجة للطاقة بداخلها لانه كان من الصعب انتقال تلك الجينات الى النواة. لكن الموضوع ما زال مجهولاً في الكثير من نواحيه وما زال محل نقاش. هل الميتوكوندريا مخزن أم مصنع للادينوسين ثلاثي الفوسفات؟ الميتوكوندريا هي المصنع الأساسي لعملة الطاقة الادينوسين ثلاثي الفوسفات. لكن لو بحثنا أكثر فيما وصل اليه العلماء في السنوات السابقة لوجدنا أنها محطة مهمة للكثير من العمليات الأيضية، مثلا عملية تدوير البروتينات، كما نعلم تتكون البروتينات من عقد من الاحماض الأمينية. تتكسر البروتينات الى احماض امينية ثم نحتاج إعادة استخدام الاحماض الامينية بعد إزالة بعض الجزيئات منها، من يقوم بهذه المهمة هي الميتوكوندريا. لذا فإن كثيرا من الامراض الايضية تظهر لدى المصابين بخلل في الميتوكوندريا. أيضاً تدوير الحديد والجزيئة الأولى للهيموغلوبين تصنع في الميتوكوندريا. وتبرمج الميتوكوندريا عملية الموت المبرمج للخلايا. هناك في الميتوكوندريا مكونات تشبه المقصات، وعند حلول موعد الموت المبرمج للخلايا تخرج تلك المقصات من خارج غشاء الميتوكوندريا ثم يبدأ الموت المبرمج. هناك عدة وظائف إذا، لكن الوظيفة الأساسية هي عملية انتاج عملة الطاقة "الاي تي بي". هذه الوظائف التي ذكرتموها، هل الميتوكوندريا هي الجزء الوحيد التي يقوم بها؟ شاهدنا سابقاً آليات لها بدائل أخرى في جسم الانسان، فلو لم تكن الميتوكوندريا موجودة الن يكون هناك أي تي بي؟ الن نكون قادرين على امتصاص الحديد او استخدام البروتينات او خسارة الية معينة في الموت الخلوي؟ هناك مدرسة تميل الى ان الميتوكوندريا هي عضية ثانوية، وهناك من يرى أنها أساسية. لكن ما اثبتته الدراسات انه دون الميتوكوندريا لن يكون هناك أي تي بي. من يحملون طفرات شديدة في الميتوكوندريا تؤدي الى إيقاف انتاج الاي تي بي مثلما أحدث في بعض الفئران يتوفى هؤلاء بسرعة كبيرة، يمكن أن تحدث الوفاة خلال 3-4 أسابيع مثلما حدث في تلك الدراسة حول الفئران. وسبب عدم وجود حالات كهذه لدى البشر هو أن الامر ذاته يحدث مع البشر حيث يموتون مبكراً جداً. اما الموت المبرمج فتتم السيطرة عليه من عدة أماكن في الخلية، لذا من الممكن ان يحدث الموت الخلوي لدى بعض المرضى الذين لا يمتلكون تلك المقصات الآتية من الميتوكوندريا لكنهم يعانون من الشيخوخة المبكرة. أيضاً يحدث الامر ذاته مع الفئران. اما البروتينات، فهناك مصادر أخرى يمكن ان تحل محل الوظيفة التي تقوم بها الميتوكوندريا لكن هناك قضية مهمة يمكن ملاحظتها لدى المرضى الذين يعانون من طفرات في الميتوكوندريا بهذا الجزء هو أنهم يعانون من ارتفاع نسبة اليوريا وذلك نتيجة لتصريف الاحماض الامينية لعدم وجود إمكانية لاعادة تدويرها بواسطة الميتوكوندريا. لكن تبقى عملية انتاج الـ ATP  هي العملية التي لا يُمكن العثور على بديل لها. واربورغ (Otto Warburg) في الثلاثينات عمل على قضية البيئة المحيطة بالسرطانات ناقش بأن الخلية السرطانية كانت تستغني عن الميتوكوندريا ولا تحتاج الى الاي تي بي. ويتم توفير الطاقة عن طريق عمليات بديلة مثل حرق الدهون وغيرها. وقد حصل على جائزة نوبل في وقتها فيما عرف بتأثير واربورغ (The Warburg Effect). لكن هذه النظرية بدأت بالخفوت والتراجع في 2008 بعدما رأوا انه عند تثبيط الميتوكوندريا في الخلايا السرطانية فإن هناك أثر على نمو الخلايا السرطانية. في ديسمبر 2020 نشرت مجموعتنا البحثية بحثاً في مجلة نيتشر عن مواد صغيرة جداً تستهدف الحمض النووي للميتوكوندريا تساعد تلك المواد في انهاء الخلايا السرطانية في سرطان الدم في الفئران. وهناك مشروع لتقديم ذلك العمل كجزء من دواء جديد ضد السرطان. إذاً نظرية واربورغ هي تحت المجهر اليوم في التساؤل حول إمكانية عيش الخلايا السرطانية دون الميتوكوندريا. وانا كباحث متحيز للميتوكوندريا اميل الى القول انه يتعذر للخلية ان تعيش دون ميتوكوندريا حتى وان كانت خلية سرطانية. اود اغتنام الفرصة للسؤال عن الطاقة لاسيما وانني أقوم بكتابة سلسلة عن الطاقة في الجسم، وعن العمليات الثلاث للحصول على الطاقة. هل تلعب الميتوكوندريا دوراً في جميع هذه العمليات؟ مثلا هل ستحتاج الخلايا الى الميتوكوندريا في تكسير الدهون؟ بعد تكسير سلسلة بيتا في الدهون تتم اكسدتها، ما يعرف باكسدة سلسلة بيتا. وهذه الاكسدة تتم في الميتوكوندريا ايضاً. إذا لا مفر من الميتوكوندريا. ننتقل الى مجال آخر، استنساخ الحمض النووي داخل الميتوكوندريا، نذكر من الدراسة الإعدادية ان موضوع استنساخ الحمض النووي كان معقداً جداً، لكننا هنا نجد هناك لاعبين آخرين في عملية الاستنساخ، فأيهما أعقد من عمليتي الاستنساخ وما هي قصة استنساخ الحمض النووي للميتوكوندريا باختصار؟ الحمض النووي للميتوكوندريا يختلف عما موجود في نواة الخلية اذ انه صغير جداً، والحمض النووي الموجود في نواة الخلية والذي يشكل 99% من الحمض النووي هو خطي وهو ينتج 25 ألف جين اما الحمض النووي للميتوكوندريا فيكون دائري وهو ينتج 16 جين فقط وشكله الدائري يشبه الحمض النووي الموجود في البكتيريا. لكن رغم بساطة الحمض النووي للميتوكوندريا لكن منذ 1963 حتى اليوم يتم البحث في كيفية استنساخه وهناك نظريات عدة في ذلك. لكن بشكل عام فإنه لاستنساخ أي حمض نووي هناك انزيمات تسمى البوليمريز ووظيفتها استنساخ الحمض النووي. ونحتاج أيضاً إلى ما يعرف بالهيليكاز (Helicaseٍْ) والذي يعد مطلوباً لفتح الخيط المزدوج للحمض النووي. ولبدء عملية الاستنساخ بشكل عام، ستحتاج الى نقاط محددة من الرنا، ولن يبدأ أي نسخ للحمض النووي دون وجود تلك النقاط من الرنا. هذه الخيوط من الرنا كانت موضع بحثي، لاسيما حول كيفية نشوؤها وما يحدث لها بعد الاستنساخ. وتتلخص أهمية تلك الخيوط من الرنا التي تبدأ بالاستنساخ بما سنعرفه في القصة التالية. اكتشف المركز التخصصي لأمراض الميتوكوندريا بكامبرج في سنة 2015 عائلة تعاني من زيادة كبيرة عدد خيوط الرنا المستخدمة في البدء بعملية الاستنساخ، وهذا يؤدي الى كثرة استنساخ الحمض النووي للميتوكوندريا. أفراد هذه العائلة كانوا يعانون من السكري، وامراض الكلى والشيخوخة المبكرة والوفاة لأطفالهم بعمر 15 سنة. ...
رحلة الى المستقبل مع الرقاقات العصبونية Neuromorphic chips في حوار مع الباحث ياسر جمال نوري RS08‎15 Mar 202100:46:23
وراء الأجهزة التي نستخدمها باحثون في الهندسة الالكترونية والفيزياء، هم أوصلونا لما نحن عليه بعد عقود من الأبحاث وهم قد ينقلوننا لطفرة أخرى فريدة من نوعها قد تقلب وجه تقنيات الحوسبة مرة أخرى. الرقائق العصبونية (Neuromorphic chips) هي المجال الذي يعمل عليه الباحث ياسر جمال نوري في بحث ما بعد الدكتوراه بجامعة ساوثمبتون، حيث نناقشه ونتعلم منه عن هذا المجال الفريد في هذا البودكاست لنرى كيف تخطو البشرية خطواتها الأولى نحو ثورة علمية أخرى. تستمعون الى الاجوبة حول: "إن الشبكات العصبية الاصطناعية هي افتراض لنا حول شكل الدماغ لكنه ليس بالضرورة الهيئة الفعلية للدماغ" هل نحاكي الدماغ حقاً؟ لماذا الدماغ؟ اين المشكلة في تقنيات المعالجة الحالية؟ لماذا نسعى لمحاكاة الدماغ؟ ولماذا نسعى من الأساس لثورة أخرى؟ هل ستختفي الترانزستورات؟  هل تمت صناعة الشريحة العصبونية الأولى حتى الآن؟  هل سيتغير كل شيء مثل نظام التشغيل والذاكرة ونقل البيانات؟  
رعشة من أعلى العمود الفقري: لنفهم ظاهرة استجابة القنوات الحسية الذاتية ASMR RS0710 Mar 202100:15:27
تخيل أنك في غرفتك المعتمة بعدما أمضيت نهاراً متعباً. يراودك القلق والأرق والخوف، تحاول الهروب من أفكارك بالنوم، لكنها تباغتك وتجعلك بمنأى عن الراحة. تتصفح اليوتيوب بحثاً عن موسيقى هادئة، تكتب في محرك البحث (relaxing) فتطل عليك امرأة بوجهها الجميل تهمس لك بهدوء، تتمتم بلطف، تركز النظر في عينيك، تعيدك لطفولتك وكأن والدتك تهدهد لك. تتسمر في مكانك دون حراك. تراقب وتسمع كل ما تفعله. وإذ بك تشعر بالراحة والهدوء والسعادة بعد رعشة أحسست بها في مؤخرة رأسك امتدت إلى عمودك الفقري ومن ثم إلى أطرافك. هذا هو الإيسمار (ASMR) أو ما يسمى بنشوة الدماغ. رابط الاستماع على جوجل بودكاست الإيسمار(ASMR) هو استجابة القنوات الحسية الذاتية (Autonomous Sensory Meridian Response). يُوصف عادة بأنه مجموعة من المشاعر والأحاسيس التي تؤدي إلى ما يسمونها بالنشوة الدماغية التي يشعر بها المرء في مؤخرة فروة رأسه وتمتد لتصل إلى الأطراف. يتبعها شعور بالاسترخاء والنعاس والهدوء والرضا. (1). ظهرت الأوصاف الأولى للإيسمار عام 2007 في منتديات مثل (Steady Health) و (Is  It Normal)، عندما وصف أحدهم شعور الوخز الذي يشعر به في رأسه وفي كامل جسده إذا شاهد عرضاً للدمى أو عندما يقوم صديقه بالرسم على يده. هناك الكثير من الأشخاص الذين شاركوه الحالة واعترفوا بأن ذلك يحصل معهم أيضاً. أسسوا مجموعة على الياهو (Yahoo) تحمل اسم الايثاريين وقاموا بتحميل مقاطع على اليوتيوب تحمل عناوين مثل الهمس أو النشوة الجنسية الناتجة عن الانتباه وأسماء أخرى. حتى جاءت امرأة تدعى جين ألين (Jenn Allen) وصاغت مصطلح إيسمار(ASMR) في عام 2010 وأسست موقعاً (asmrresearch.org.) (3) تجد الآن على اليوتيوب الكثير جداً من فيديووهات إيسمار. يظهر من خلالها صانعو الإيسمار (اغلبهم نساء جميلات في سن الانجاب) يهمسن لك بلطف شديد أو ينقرون بأظافرهم برقة على الأسطح أو يقومون بطي المناشف أو مداعبة الوسائد بطريقة مثيرة. يتم التركيز على أجزاء معينة في الجسم، مثل الشفاه والأسنان أو اليدين أو الجذع فقط لتوجيه نظر المشاهد. قد تكون في بعض الأحيان مقاطع الفيديو سوداء، تعتمد كلياً على المؤثرات الصوتية (همس، نقر على الأسطح الصلبة، النفخ، صوت الكتابة بالطباشير على اللوح...الخ) (5) أولى الأوراق العلمية التي نُشرت حول هذا الموضوع، كانت تلك التي نشرها ديفيس (Davis) وزميلته الدكتورة إيما باريت(Emma Barrett) في عام 2015. وصفا فيها تأثير الإيسمار الإيجابي على الناس المكتئبين، الأمر الذي أثار فضولهم حول امكانية استخدامه كعلاج (3) بدأ التحقيق حين طلب كل من باريت وديفيس من الأشخاص عبر الإنترنت ملء استبيان حول وصف شعورهم بعد مشاهدة مقاطع فيديو، أحدها إيسمار والأخرى لا صلة لها به. خلال 475 إجابة، وصف المشاركون الإحساس بعد مشاهدة الإيسمار وكأنه وخز ينشأ في الجزء الخلفي من فروة الرأس ويتقدم إلى أسفل خط العمود الفقري، وفي بعض الحالات، نحو الكتفين. بينما لم يشعر بذلك أولئك الذين لم يشاهدوا الإيسمار. (4) هناك دراسة في جامعة شيفيلد في قسم علم النفس بحثت في احتمالية أن يكون الإيسمار مفيد على الصعيد الجسدي والنفسي. في أحد تجاربهم، درسوا التغيرات النفسية للمشاركين في التجربة والذين شاهدوا اثنين من فيديوهات الإيسمار. وجدوا أن المشاركين الذين شاهدوا الإيسمار قد انخفض معدل ضربات القلب عندهم وزادت مشاعر الاسترخاء والراحة والترابط الاجتماعي مقارنة بالذين لم يشاهدوه (2) في تجربة أخرى، شارك فيها أكثر من 1000 شخص في استبيان عبر الانترنيت، حيث طُلب من المشاركين الإجابة عن أسئلة بعد مشاهدة البعض منهم لمقاطع فيديو إيسمار والبعض الآخر لمقاطع لا تحتوي على إيسمار. فوجودا اختلافاً بينهم؛ حيث أجاب مشاهدو الإيسمار بأنهم شعروا برعشات متكررة وبزيادة معدل الهدوء والراحة والسعادة والابتعاد عن التوتر والحزن، على خلاف الذين لم يشاهدوا الإيسمار. (2) قالت الدكتورة جوليا بوريو (Jiulia Borio) رئيسة قسم علم النفس في جامعة شيفيلد" أثبتت دراستنا أن للإيسمار حقاً تأثير مهدئ حسب ما أدلى به المشاركون في الدراسة. كما لُوحظ انخفاض في معدل دقات القلب مقارنة مع المشاركين الذين لم يشاهدوا الإيسمار. الشيء الأكثر إثارة هو أن معدل ضربات القلب المنخفضة لمشاهدي الإيسمار كانت شبيهة لمعدل ضربات القلب للمشاركين في دراسات أخرى مثل التأثيرات النفسية لتقنيات تخفيف التوتر مثل: الموسيقا، تقليل الضغط القائم على العقلانية (Mindfulness)" (2) هناك دراسة أيضاً قام بها ستيفين سميث (Stephen smith) من جامعة وينيبيغ، كندا (Winnipeg) وزملاؤه عام 2016. استخدموا الرنين المغناطيسي لإجراء مسح لأدمغة 11 من المشتركين الذين جربوا الإيسمار و11 منهم ممن لم يجربوه. وجدوا أن الارتباطات في مناطق الدماغ التي تدعى شبكة الوضع الافتراضي (default mood network)، التي تشارك بأحلام اليقظة، أقوى عند المشاركين الذين شاهدوا الإيسمار. (4) أربعة محفزات كانت الأكثر شيوعاً والتي كان يفضلها أكثر من نصف المشاركين: الهمس، والاهتمام الشخصي، والحركات البطيئة، و "الأصوات الواضحة" مثل النقر. (4) أثار الإيسمار جدلا حول ما إذا كان يتضمن ايحاءات جنسية لكن الباحثين فيه رفضوا ذلك حيث قال ديفيس بأنهم لم يجدوا أي دليل على أنه مثير جنسياً. (3) كما يرفض المتحمسون للإيسمار أي روابط مع الحميمية الجنسية، بدلا من ذلك، يقترحون أن تجربتهم الجسدية تستحضر المتعة من خلال التفاعل المحض بين الموجات الصوتية والدماغ. (5) ما الذي يحدث أثناء تجربة الإيسمار؟ يلجأ صناع الإيسمار على اليوتيوب كما ذكرنا سابقاً لخلق عدة محفزات لتحقيق استجابات قوية كاللمس الخفيف والمساج ولمس الشعر. كما يلجؤون إلى استخدام محفزات بصرية تتضمن التحديق المركّز ومراقبة حركات اليد البطيئة. يستخدمون أيضاً المحفزات الصوتية مثل الهمس الهادئ والتمتمة الناعمة اللطيفة وإصدار أصوات مثل العلك والنفخ، وأصوات حف الأشياء أو تقطيعها أو مداعبتها بلطف وحنان. أو يقومون بتمثيل أدوار مصفف الشعر أو الطبيب أو المعالج الفيزيائي (هم مثيرون لمشاعر مشابهة للإسمار لكن دون قصد) لمحاولة لإعطاء المشاهد المتلقي اهتماما شخصياً مركّزاً. (1) محفزات الإيسمار تلك تنشّط المسار البيولوجي عند الأفراد المتعلق بسلوكيات الانتماء وتكون بمنزلة العودة إلى الطفولة. حيث أن سلوك الطبطبة واللمس الخفيف والاحتضان، هو سلوك يتبعه الآباء لإظهار حبهم واهتمامهم بمواليدهم. وهو سلوك هام لتمكين الآباء من تهدئة أطفالهم وجعلهم مسترخين. (1) تتشابه محفزات وسلوكيات الإيسمار مع محفزّات وسلوكيات الارتباط بين الأفراد الذين يثقون ببعضهم البعض كالأصوات الناعمة واللمس اللطيف، والتي ينتج عنها تحرير هرمونات: الدوبامين والإندروفين والأوكسايتوسين والسيروتونين. -الإندروفين: مسؤول بقوة عن الشعور بالسعادة وعن الإحساس بالارتعاش، ومسؤول جزئياً عن الشعور بالراحة والاسترخاء والنعاس. -الدوبامين: مسؤول بقوة عن الرغبة في تجربة الإيسمار وتكرارها، كما أنه مسؤول عن الانتباه المركّز أثناء التجربة. -الأوكسيتوسين: يطلق عليه هرمون الارتباط أو دواء الحب، بسبب أهميته في الروابط التي تتشكل بين الرضّع والآباء وبين الشركاء الرومانسيين. الأوكسيتوسين أثناء الإيسمار هو المسبب الرئيسي للشعور بالراحة والاسترخاء وتخفيف التوتر، كما يساهم في حدوث الرعشة من خلال زيادة حساسية مستقبلات الإندروفين. -السيروتونين: المسؤول الرئيسي عن مشاعر الرضا والهدوء والمزاج الجيد بعد تجربة الإيسمار (حيث ان معظم الأدوية المضادة للاكتئاب تحتوي على معدلات عالية من السيروتونين). (1) من المرجح أن الدوبامين هو المسيطر أثناء الإيسمار بينما يسيطر السيروتونين بعده مما يؤدي إلى الشعور بالراحة الاطمئنان والمزاج الجيد. (1)  ردود فعل مختلفة حول الإيسمار يقول البعض ممن جربوا الإيسمار بأنه خفف معاناتهم مع الأرق والاكتئاب والحزن الشديد. بينما خلق عند آخرين ردود فعل سلبية حيث وجدوها مملة ومثيرة للاشمئزاز. إذا لماذا يخلق الإيسمار ردود فعل متناقضة تماما؟ كل الأفراد تنتج الإندروفين والدوبامين والسيروتونين والأوكسايتوسين، لكنهم لا يشعرون بتأثيرها بنفس الدرجة، فالاستجابة لمحفز غريب (الإيسمار) يختلف بين الأفراد. فقد يحتاج الأمر تحريرها بنسب أكبر للشعور بها. يمكن تشبيه الحالة بحالة كأس الماء وفنجان السكر؛ إذا أضفت ملعقة فقط من السكر إلى الكأس فقد لا تشعر بحلاوة الماء وعندها يجب عليك أن تضيف المزيد لتصل إلى ذلك الشعور. وهكذا فإن معدل السكر في الماء الذي يجعله حلو المذاق قد يختلف بين شخص وآخر. الإيسمار يعمل بنفس الطريقة؛ قد يشعر الأفراد بالسعادة والراحة عند معانقة الحبيب (محفز قوي) ولا يشعرون بذلك عند مشاهدة فيديوهات الإيسمار (محفز ضعيف)، لديهم عتبة للمحفزات لإثارة تلك المشاعر. بينما يوجد البعض الآخر الذي يحرر الإندروفين بسهولة أو لديه مستقبلات الإندروفين التي تتمتع بحساسية عالية حتى لأقل المحفزات. بالإضافة إلى ذلك توجد أسباب جينية وأسباب تتعلق أيضاً بالبيئة وطبيعة الطعام والأمراض والأدوية وحتى تجارب الطفولة. (1) قد يحدث أيضاً أن الأشخاص الذين كانوا يتأثرون بالإيسمار، أن يتوقفوا فجأة عن التأثر بها. وذلك لأن المستقبلات بمرور الوقت تصبح أقل حساسية لنفس المحفّز (مثل العلاقات الرومانسية التي تكون قوية في بدايتها وتهدأ بمرور الوقت)، لذلك يلجأ صانعو الإيسمار إلى تنويع محفزاتهم. كحال الذين يتعاطون المورفين او الأوكسيكودون، يلجؤون إلى جرعات أكثر مع مرور الوقت للحصول على نفس الاستجابة. (1) بغض النظر عن أي تفسير، وجد ديفيس وبارت بأن للإيسمار فوائد حقيقية، طالما هناك تحسن في الحالة المزاجية لمشاهدي الإيسمار وصرفهم بعيداً عن الاكتئاب والحزن لبضع ساعات بعد المشاهدة.  يقول ديفيس: "الأشخاص المحبطون والذين يعانون من الألم المزمن يستخدمون الإيسمار لتحسين مزاجهم. لا أريد أن أقول بأنه علاج محض، لكنه على الأقل يصرف الانتباه عن الألم، ويمكن اعتباره طريقة بسيطة لتخفيف الألم واستقرار الحالة المزاجية." (4) كتب لي (Li) عام 2011 من كلية ويليسي (Wellesley college) أن للهمس قوة فعالة جداً في عصرنا الحالي الصاخب الذي لا يمكن لنا أن نفهم الكلام بالهمس. ولذلك اقتصر الهمس بين الأم وطفلها وبين الأشخاص الذين هم على علاقة حميمية لأنه يتطلب تقارباً بين المتحدث والمستمع. لذلك يصف المتحمسون للإيسمار على أنه إعادة خلق للحميمية الأمومية لكن دون الحاجة لوجود حضور جسدي. (5) قد تكون هذه الظاهرة قد تطورت لغرض تطوري، كما يقول ديفيس، لأسباب غالباً ما تكون مدفوعة بالاهتمام الشخصي. يقول: "إذا نظرت إلى القردة العليا كيف يتم تهيئتها، فأعتقد أنها تشعر بشيء مثل الإيسمار. إنهم يحظون باهتمام شخصي وثيق من قرد آخر. " (4) في النهاية، يمكننا القول بأن هذه الظاهرة إيجابية طالما لا توجد آثار جانبية. لا يسبب الإيسمار الصداع، ولا يبدو أنه إدمان. يجعل الناس سعداء دون ضرر. يستخدمه الناس لمساعدتهم على التعامل مع أشياء مثل الاكتئاب أو الألم المزمن. لا نريد أن نذهب إلى حد القول بأن الإيسمار هو علاج لتلك الحالات بل عامل مساعد ومفيد ". (3) المصادر: Origin Theory of ASMR. (2014, July 29). Retrieved from ASMR University website: https://asmruniversity.com/origin-theory-of-asmr/ Brain tingles: First study of its kind reveals physiological benefits of ASMR. (n.d.). Retrieved from ScienceDaily website: https://www.sciencedaily.com/releases/2018/06/180621101334.htm Geere, D. (2019, September 30). ASMR science: are “brain tingles” more than just a feeling?. Retrieved from BBC Science Focus Magazine website: https://www.sciencefocus.com/the-human-body/asmr-more-than-a-feeling/ Marshall, M. (2018). The truth behind ASMR and the craze for videos causing “head orgasms.” Retrieved February 27, 2021,...
البيئة والحيوانات والافتراس على سبورة الرياضيات RS0606 Mar 202100:47:31
يتناول البحث الذي سنناقشه في هذا البودكاست التمثيل الرياضي لأنظمة بيئية مُبسطة قائمة على افتراض وجود نوعين بيولوجيين في نظام بيئي مغلق ذو قدرة استيعابية محدودة (القدرة الاستيعابية كمية الغذاء اللازمة لادامة النظام البيئي وضمان استمراره). النوع البيولوجية الأول يطلق عليه (فريسة – أرانب على سبيل المثال) والثاني (مفترس – نمور أو وشق بري على سبيل المثال). الأنظمة البيئية من هذا النوع عادة ما تسلك سلوك دوري. بمعنى أن هناك دورة ايكولوجية ترتفع بها الكثافة السكانية للفريسة مما يوفر غذاء كافي لتحفيز نمو سكاني في النوع المفترس لتبدأ زيادة في الكثافة السكانية للمفترس ثم يتبعها انخفاض وفي بعض الأحيان يمكن أن ينتهي هذا السلوك الدوري بعملية انقراض جماعية لكلا النوعين في النظام البيئي. رياضياً بالإمكان التعبير عن نظام كهذا من خلال معادلات تفاضلية لكثافة الحيوان المفترس والفريسة تصف تغييرها الدوري في الزمن. أما عمليات الانقراض فكان يُعتقد سابقاً بأنها نتيجة لتغيير نوعي في سلوك حلول هذا المعادلات (يعبر عنه أحيانا بنقاط تشعب سلوكي أو نقاط متفردة). في ورقتنا البحثية أثبتنا وجود آلية رياضية جديدة مختلفة عن نقاط التشعب السلوكي. حيث أن النظام الرياضي يبقى يسلك نفس السلوك لكن السلاسل الزمنية لكثافة التشعب تتغير من السلوك الدوري إلى الانقراض في نقطة معينة نسميها (تحويل حرج). لتمثيل هذه العملية قدمنا عمليات محاكاة لنماذج رياضية بيئية (مفترس-فريسة) مضبوطة حسب ظروف ايكولوجية قياسية (واقعية) تمثل الوضع المعاصر للأنظمة البيئية في الغابات الشمالية في كندا إضافة إلى بيانات مناخية من نفس المنطقة الجغرافية لفترة تمتد على ما يقارب القرن من الزمن. نتائج المحاكاة تشير إلى أن عمليات الانقراض التي أشرنا لوجودها رياضياً ممكنة الحدوث في الظروف البيئية والمناخية الحالية. إضافة إلى أن الاتجاه الحالي للتغير المناخي وتأثيره على الظروف الجوية من الممكن أن يزيد من احتمالية حدوثها. مقال المناخ: https://real-sciences.com/?p=12311 مقال رياضيات الأخلاق: https://alarab.co.uk/معضلة-السجناء-رياضيات-الأخلاق رابط البحث: https://arxiv.org/abs/2101.12107 رابط الاستماع على جوجل بودكاست
تأثير الكافيين على فقدان الوزن RS0505 Feb 202100:39:56
أوضحت الدراسات أن الكافييـن يحفز أكسدة الدهون وإنتاج الحرارة عن طريق حرقها، وبالتالي يُمكن استخدامه للتحكم بالوزن، بعد فقدانه، وبالتالي التقليل من خطر الإصابة بالسكر. يحفز الكافييـن استخدام الدهون في العضلات أثناء التمارين الرياضية، ويقوم بزيادة استهلاك الطاقة، بالإضافة إلى تأثيره المنتج للحرارة والمثبط للشهية. أوضحت الدراسات أن الخليط من الكافييـن والإيفيدرين لهما تأثير بسيط على فقدان الوزن على المدى القصير. لكن ما هي الصورة الكبيرة؟ سنناقش هذا الأمر في البودكاست المرفق.
بناء العضلات دون تمارين أو ربح دون ألم (Gain without pain)14 Nov 202000:11:23
رغم صاحبة المقولة "لا ألم لا ربح" (no pain no gain) هي الممثلة جين فوندا وهي تتكلم عن سلسلة التمارين الهوائية التي أصدرتها والهدف الأساسي منها تخفيض الوزن، غير أن المقولة أصبحت شائعة كثيراً في رياضة بناء الأجسام، وهي تزين الملابس الرياضية وتحفز الملايين في سعيهم لكي يصبحوا مثل أبطال هذه الرياضة عبر رفع الأثقال وتناول مساحيق البروتينات.  غير أن هناك طريق آخر يمر به أبطال هذه الرياضة يخالف ذلك الشعار، فهناك حقاً ربح دون ألم!  نعم من الممكن أن يحدث بناء العضلات دون رفع الأثقال، وبالتأكيد دون مساحيق البروتينات التي ليس لها أثر يُذكر من الأساس. رابط الاستماع على جوجل بودكاست حتى الآن هناك نقاش محتدم بين كثير من الممارسين الجدد لهذه الرياضة وحتى المحترفين ممن يستخدمون الستيرويدات الابتنائية (Anabolic Steroids) في النسبة من البناء العضلي والضخامة العضلية التي يُمكن أن يُسببها التمرين لوحده. يجادل اللاعبون المحترفون بأن جانباً كبيراً من بنيتهم العضلية يعزى إلى جهودهم الخاصة في العام 1996 نشرت في مجلة نيو انجلاند للطب دراسة أصبحت مشهورة جداً ونالت من الاهتمام ما لم تنله دراسات أخرى في المجال إلا قليلا. وضعت هذه الدراسة النقاط على الحروف فيما يتعلق بتأثير التمارين وتأثير الستيرويدات الابتنائية التي يستخدمها لاعبو بناء الأجسام كلاً على حدة. وكان أهم ما قدمته الدراسة هو تأثير الهورمون الذكري التستوستيرون لأشخاص لم يمارسوا التمارين الرياضية! شملت الدراسة 43 شخصاً تتراوح أوزانهم بين 90% و115% من وزنهم المثالي أي أنهم جميعاً بأوزان معتدلة، كما أنهم جميعاً كان لهم تجربة سابقة في رفع الأثقال. وقد تم توزيع هؤلاء إلى أربعة مجاميع: 1) دون تمارين، ودون حقن التستوستيرون. 2) دون تمارين، مع حقن التستوستيرون. 3) أداء التمارين، دون حقن التستوستيرون. 4) أداء التمارين، مع حقن التستوستيرون. ضمن مجموعتي التستوستيرون، تم إعطاء المشاركين 600 مليغرام من التستوستيرون اسبوعياً، وهو يُقارب ما يأخذه كثيرٌ من لاعبي بناء الأجسام (رغم عدم وجود ضوابط أو جرعة قصوى محددة لما يأخذه اللاعبون). أما التمارين فقد تم اعداد منهج تدريبي ثابت ومكثف للمشاركين وكانوا يمارسون التمارين لثلاثة أيام في الاسبوع. ودامت التجربة 10 أسابيع على هذا المنوال. بعد انتهاء التجربة تم تقييم النتائج من خلال قياس حجم العضلات وتم ذلك بواسطة اجراء مسح بالرنين المغناطيسي للعضلات، كما تم احتساب الكتلة العضلية الخالية من الدهون. وأيضاً تم تقييم القوة العضلية من خلال احتساب الوزن الأقصى الذي يمكن رفعه بتكرار واحد لكل من تمارين الربض وتمارين الرفع على المصطبة (bench press). المفاجأة تأتي مع النتائج، فقد تحقق فعلاً ما يمكن القول عنه أنه "ربح دون ألم"، لدى المجموعة الثانية، فقد حققت مجموعتي التستوستيرون (2) و (4) لوحدهم الزيادة في الكتلة العضلية بالكيلوغرامات وحققت هاتين المجموعتين أيضاً لوحدهما الزيادة في مساحة العضلة بالمليمتر المربع. فيما ازدادت القوة العضلية في الرفع للمجموعتين (2) و (3) بشكل متقارب وبهذا تحققت الزيادة في القوة وحجم العضلات والكتلة العضلية لدى المجموعة الأكثر اثارة للاهتمام وهي المجموعة الثانية. شاهد الأشكال الثلاث التالية: الزيادة في الكتلة العضلية   الزيادة في المساحة السطحية للعضلات   الزيادة في القوة العضلية يجدر الانتباه هنا لعدة نقاط، أولها أننا ورغم الوضوح الشديد في الأرقام بهذه الدراسة لكننا لا نفهم آلية عمل الجسم بطريقة حسابية واضحة. فرغم أن التمارين لوحدها لم يكن لها تأثير كبير ملحوظ، غير أن لها تأثيراً مقبول عندما تضاف لحقن التستوستيرون. وما يجعل الأمر غامضاً أيضاً هو الفروقات الفردية بين الأفراد، ففي جميع تلك الأرقام كان هناك انحراف معياري (الفارق أقل أو أكثر من المعدل) عن المعدلات التي عرضناها في الأشكال والتي تحدثت عنها الدراسة. ببساطة لا يُمكن أن تتوقع أن يحدث الأمر نفسه معك بنفس الدقة إذا قمت بأي من الإجراءات أعلاه. الرسالة الرئيسية في الموضوع لعلها تتوجه للمبتدئين، لا بغرض دعوتهم لاستخدام الستيرويدات الابتنائية الاندروجينية بل لغرض تنبيههم إلى ما يستخدمه محترفو بناء الأجسام للوصول إلى ما يريدون، وأن شراء منتجات كثيرة غير مجدية واتباع التمارين لوحده لن يوصلهم لما يشاهدونه في الانترنت من صور وفيديوهات. سيكتسب الشخص فوائد عديدة من مزاولة الرياضة لكنه لن يصبح بالتمارين فقط مثل لاعبي بناء الأجسام. حاول البحث عن أمثلة أخرى، قدوة أخرى، أبطال آخرون من الرياضيين الذين يمارسون بناء الأجسام دون ستيرويدات، وأيضاً ضع الفوارق الشخصية في الحسبان، فلا يُمكن أن تضع شخصاً بذهنك وتتوقع أن تصبح مثله. تنوه الدراسة بشدة إلى الأضرار الناجمة عن استخدام الستيرويدات الابتنائية، مثل مقاومة الانسولين والمشاكل في أيض الدهون والمشاكل في الكلى وغير ذلك، ويوضح الباحثون خطورة الأمر. الجرعة التي تم استخدامها في الدراسة هي أكثر جرعة استخدمت مقارنة بدراسات أخرى وقد تم استخدام التستوستيرون وليس ستيرويدات ابتنائية اندروجينية شبيه به. لكن مع ذلك كان تنويه الباحثين إلى الأخطار كبيراً. تناولنا في مقال سابق الآثار النفسية لرياضة بناء الأجسام وقد أجرى الباحثون في هذه الدراسة كجزء من عملهم استبياناً نفسياً للمشاركين ولم يجدوا أي أضرار، لكن الدراسة لم تكن متخصصة بقضية كهذه والباحثون لا يجزمون بما سيكون عليه الحال في حالات استخدام الستيرويدات الابتنائية المختلفة والجرعات المختلفة مثلما يحدث في صالات بناء الأجسام في العالم وما يستخدمه الرياضيون. ينبغي وضع الآثار النفسية في الحسبان ويُمكن العودة الى الرابط أو مراجعة العدد 38 من مجلة العلوم الحقيقية مقال: الآثار النفسية لرياضة بناء الأجسام. عند ملاحظة الأرقام في الدراسة يُمكن أن نجد نسبة متساوية تقريباً في زيادة القوة العضلية بين المجموعة (2) والمجموعة (3)، رغم عدم ظهور تغير كبير في حجم العضلات أو في الكتلة العضلية لدى افراد المجموعة (3) مقارنة بالمجموعة (2). وهذا قد يدعونا لإعادة النظر في الفارق بين القوة العضلية وحجم العضلات، وسنطرح ذلك في مقالات قادمة. الدراسة الأصلية: Bhasin, Shalender, et al. "The effects of supraphysiologic doses of testosterone on muscle size and strength in normal men." New England Journal of Medicine 335.1 (1996): 1-7.
توماس كوان الطبيب الذي يُنكر وجود الفيروسات لصالح كهربائية الأرض08 Apr 202000:12:00
انتشر في فيسبوك فيديو لطبيب امريكي يُدعى توماس كوان (Thomas Cowan) وهو ينكر وجود الفيروسات ويعزو الموجات الوبائية الكثيرة للفيروسات والتي حدثت على الأرض وآخرها وباء كورونا إلى الموجات الكهرومغناطيسية وكهربائية الارض. يحاول كوان أن يربط بين موجات الوفيات تلك بالعلم الزائف المعروف بكهربائية الأرض والمرتبطة بعلم زائف أكبر حول الكون الكهربائي. يشرح كوان الأوبئة التي يذكرها ويربطها باكتشافات حدثت في الموجات الراديوية ومراحل التقدم في شبكات الهاتف المحمول وغيرها أما نفيه للفيروسات فهو يقول بأن ما يحدث في الخلايا هو حالة تسمم فقط وهي تشبه ما تتعرض له الخلية عند حدوث أي ضرر ناتج من التسمم. في هذا المقال سنفند هذه الفكرة الضعيفة من العلم الزائف. رابط الاستماع على جوجل بودكاست يضلل توماس كوان في البداية بين الاكسوزومات والفيروسات، والاكسوزومات هي حواصل خارجية متصلة بالعديد من الخلايا الحيوانية والنباتية تتضمن مواد دهنية ومادة وراثية[1]. دراسة الاكسوزومات هي دراسة متشعبة بما أنها تمثل عُضي مرتبط بالخلية فهي تعكس الكثير من حالات الخلية عند المرض او الأحوال الطبيعية، كما يُمكن أن تُساهم في أدوار علاجية معينة، الاكسوزومات لا تعني أن الخلية مريضة بأي شكل من الأشكال، بل أن لها وظائف مختلفة عديدة منها ما يتعلق بالعدوى الفيروسية ومنها ما يتعلق بالشفاء مثلما هو الحال مع أي جزء من الخلية. لا ندري ماذا يقصد كوان عندما يحاول الخلط في هذا الأمر ويقول إنها تنسجم كلياً مع فكرته؟ هل يُمكن أن نقول الأمر ذاته عن الميتوكوندريا أو السايتوبلازم مثلاً وأنه إذا حدث شيء ما معها فإن هذا يعني أنها هي الفيروسات أو أنها تدل على أن الفيروسات هي نواتج من الخلية نتيجة التسمم فقط؟ القصد الدقيق مبهم، والفكرة العامة واضحة ومضللة جداً. نترك الخلية ونتجه إلى الموجات الراديوية، في بادئ الأمر علينا أن نذكر لكل المندهشين بفيديو كوان أن التطابق بين الأوبئة والاكتشافات الحاصلة في الموجات واستخدامات تلك الموجات على نطاق واسع هي أمر غير صحيح على الإطلاق.  لا يُمكن أن تجد حدثاً مميزاً في تأريخ الراديو في عام 1917-1918 وهي فترة انتشار الانفلونزا الاسبانية سوى حادثة أول بث راديوي للموسيقى[2]. الاكتشافات بخصوص الراديو والتقدم الصناعي به مستمر منذ ظهور براءة اختراع الراديو لماركوني عام 1869 وحتى انتشار راديو الجيب عام [3]1954، لا يُمكن أبداً أن نرسم نقطة فاصلة مثل التي يزعمها كوان زيفاً وبهتاناً. الكلام حول "تعريض الكائنات لمجال كهرومغناطيسي جديد مما يؤدي إلى وفاة البعض وبقاء البعض في "حالة معلقة" وليعيش البقية أطول ولكن بحالة أكثر مرضية" هو هراء عالي المستوى من العلم الزائف. لنذكر القارئ بماهية العلم الزائف أولاً، فالعلم الزائف هو صبغ الادعاءات غير العلمية بصبغة العلوم، وما يحدث هنا أن كوان يتكلم وكأن هناك قانون احيائي او فيزيائي ينص على ذلك. وفي الحقيقة لا يوجد شيء كهذا، فرغم كل ما انتشر مثلاً حول ضرر موجات الميكروويف وأضرار الهاتف المحمول وكونها مسببات للسرطان، فلا يُمكن القول أن هناك تأكيد حول أي من تلك الأضرار علمياً حتى هذه اللحظة[4]. فما بالنا بمن يتكلم عن جميع الأمراض وجميع الموجات بهذا الشكل العشوائي. النقاش حول ضرر صنف محدد من الموجات وحول كونها تسبب الأورام أخذ عقوداً ودراسات ولم يثبت شيء، فهل يريد كوان أن يثبت أن جميع الموجات الراديوية هي سبب لطيف شاسع من الحالات المرضية لمجرد أنه يقول ذلك؟ نعود إلى التسلسل الزمني لكوان، ولا ندري أي وباء يتكلم عنه أثناء الحرب العالمية الثانية تحديداً وهو يربطه بالردارات. ثم ينتقل إلى مغالطة أخرى مثيرة للاهتمام، حيث يقول إن حزام فان الين (Van Allen Belt) المحيط بالأرض قد تمت مقاطعته بأقمار صناعية في عام 1968 مما سبب انفلونزا هونغ كونغ (قتلت حوالي مليون شخصاً حول العالم). وفي الحقيقة إن حزام فان الين هو ظاهرة ترتبط بالمجال المغناطيسي للأرض وبالرياح الشمسية[5]، وتتمثل بمنطقة من الجزيئات المشحونة بالطاقة والتي تُلتقط وتُمسك بواسطة المجال المغناطيسي للأرض ولا يُمكن أن تؤثر الأقمار الصناعية الصغيرة جداً بوجوده وبتأثيره بأي شكل من الأشكال وكوان ذاته لا يشرح (ولا يستطيع أن يشرح) هذا التأثير المزعوم. لم نجد شيئاً حول التجربة التي ذكرها كوان في قسم الصحة في بوسطن بالولايات المتحدة عام 1918، حيث يقول إن الأطباء سحبوا المخاط من انوف المرضى ووضعوه في انوف الأشخاص السليمين فلم يصب هؤلاء بالعدوى. فضلاً عن عدم المنطقية في تجربة قد تبدو مميتة ولن يتطوع أحد للقيام بها كما لن يقوم بها طبيب، فإن الأمر لو حدث حقاً فهو يُعزى لمناعة الأشخاص كما نرى اليوم مع أعداد كبيرة من حاملي فيروس كورونا من غير المصابين.  لم نجد شيئاً كذلك حول التجربة المزعومة ذاتها حول الخيول. المزاعم هنا تُفيد بالقاء جميع ما نعرفه حول العدوى، وهو ما لا يُمكن حدوثه. معرفة البشر بالعدوى ليست ناتجة عن مؤامرة حكومية، إنه أمر يشهده الأشخاص في حياتهم اليومية، تتعامل معه المختبرات على نحو يومي في بحوث الفيروسات، ويثبته التاريخ البشري الطويل وجغرافيا انتشار الامراض ذات المسبب الفيروسي. كوان يُغيب الكثير من الأوبئة الصغيرة التي تحدث في نطاق جغرافي محدود وتقتل أعداداً كبيرة نتيجة العدوى في إقليم معين، أين الموجات الكهرومغناطيسية من ايبولا مثلاً. أحد مصادر كوان الرئيسية كما يبدو هو ارثر فيرستنبيرغ (Arthur Robert Firstenberg)، الذي ترك دراسة الطب في نهاية السبعينات نتيجة مرضه الذي يعزوه للاشعة السينية التي تعرض لها لدى طبيب الاسنان. يقول فيرستنبيرغ أنه عاش مشرداً بعد أن خسر الدعوى القضائية ضد جيرانه التي كانت ترفض الامتناع عن استخدام هاتفها المحمول وترفض إطفاء الواي فاي[6]، وحيث يقول فيرستنبيرغ أن ذلك يتسبب بتدمير صحته. كما أن له معارك قضائية فاشلة ضد شركات الهاتف المحمول. يكتب فيرستنبيرغ عن مخاطر الموجات بإسهاب في كتابه قوس قزح الخفي (invisible rainbow) الذي يُعد مصدراً أساسياً لكوان. وفيرستنبيرغ لا يُقدم أي قيمة علمية في كتابه، فما الذي سيضيفه سوى مزاعم واهية أمام حقائق علمية لا تؤيده؟ جلسات المحاكمة التي كان فيرستنبيرغ طرفاً فيها كانت تحفل بالخبراء من المجال الطبي والفيزيائي لمناقشة مزاعمه حول الأضرار التي يتعرض لها لكن دون اثبات شيء لصالحه. مصطلح آخر يقذفه كوان أثناء محاضرته التي انتشرت في فيسبوك كالنار في الهشيم، يقول جهاز مفكك للماء (water destructuring device) وفي الحقيقة إن هناك تأثير طفيف جداً لتفكيك جزيئات الماء نتيجة تعرضه لمجال كهرومغناطيسي[7] غير أن الكلام على المستوى الفيزيائي وبمستوى بالغ الدقة والصغر لا ينبغي بالضرورة أن يكون له تأثيرات ملموسة على صحة الانسان، فنحن نتكلم هنا عن مستويات مختلفة تماماً من المستوى الذري المتناهي الصغر إلى المستوى الخلوي، يشبه ذلك العلوم الزائفة التي تمزج ميكانيكا الكم بالبيولوجيا والبحوث الطبية حول تأثيرات الموجات هي الحكم الأخير حول الموضوع والتي لا تؤيد كوان وفيرستنبيرغ في مزاعمهم. يُسهب كوان متحدثاً عن تغطية ووهان بموجات المحمول للجيل الخامس كأول مدينة في العالم وأثر ذلك على ظهور فيروس كورونا فيها، وفي واقع الأمر هذا الادعاء غير صحيح، فقد تمت تغطية العديد من المدن الكبرى في الصين قبل ووهان[8].  اليابان فعلت الأمر ذاته قبل أسبوعين[9]، هل ستشهد هي الأخرى موجة قوية لكورونا؟ في الواقع لم يحدث ذلك وقد كانت الموجة سابقة لافتتاح شبكات الجيل الخامس في اليابان. ماذا عن الولايات المتحدة؟ نيويورك الآن هي المدينة رقم واحد في العالم في إصاباتها بفيروس كورونا، هل شرعت باستخدام شبكات الجيل الخامس؟ كلا بل ستبدأ في ذلك في سبتمبر[10]. يؤمن كوان أيضاً أن اللقاحات سيئة وضارة، كما يؤمن بتجويع الخلايا السرطانية لمعالجة السرطان، ويركز جانباً كبيراً من طروحاته عن السرطان حول الماء في الخلايا. وتُعد منتجات كوان "الطبيعية" إحدى مصادر دخله فضلاً عن كتبه الشهيرة التي يحذر في أحدها من اللقاحات ويتكلم في الآخر عن فلسفته حول السرطان والماء، اما الكتاب الثالث فهو حول أن القلب ليس مضخة للدم فقط. أي، يُمكننا القول إنه متخصص بالعلوم الزائفة بشكل كامل. المصادر [1] Crenshaw, Brennetta J., et al. "Exosome biogenesis and biological function in response to viral infections." The open virology journal 12 (2018): 134. [2] Wikipedia, History of Radio [3] Reed, Jeffrey H., Jennifer T. Bernhard, and Jung-Min Park. "Spectrum access technologies: The past, the present, and the future." Proceedings of the IEEE 100.Special Centennial Issue (2012): 1676-1684. [4] National Cancer Institute, Electromagnetic Fields and Cancer [5] Wikipedia, Van Allen Radiation Belt [6] David Gorski, ““Electromagnetic hypersensitivity” and “wifi allergies”: Bogus diagnoses with tragic real world consequences”, Sciencebasedmedicine.org, December 7, 2015 [7] Martin Chaplin, “Magnetic and Electric Effects on Water”, London South Bank University, 16 December, 2019 [8] “The Wuhan coronavirus has nothing to do with 5G”, Fullfact website, 29th Jan 2020 [9] "NTT Docomo becomes first to launch 5G service in Japan", japantimes.co.jp, MAR 25, 2020 [10] Chris Welch ,"Verizon 5G will launch in New York City on September 26th", theverge.com, Sep 19, 2019
نقاش حول مقاومة المضادات الحيوية05 Mar 202000:39:27
نقاش حول مقاومة المضادات الحيوية، ما هي وكيف تحدث وما هي مخاطرها والكثير مما يتعلق بمقاومة المضادات الحيوية، يقدم البودكاست كل من عمر المريواني وأحمد ابراهيم. رابط الاستماع على جوجل بودكاست
أثر البحث في الانترنت على الذاكرة البشرية RS0119 Jan 202000:07:02
يتذكر صديقي مقالاً حول القضية التي نناقشها، لكنه لا يذكر أين وجد المقال، ومَنْ الكاتب، ولا حتى الموقع. هو أيضاً لا يذكر المقال جيداً، بل يذكر جزءاً مهماً ورد فيه فقط. يتجه فوراً لبحث جوجل على هاتفه ويبحث عن المقال، ثم يريه لي. هكذا يحدث معي أيضاً ومعنا كلنا، ننسى اسم الألبوم والاغنية والمطرب لكننا نتذكر قطعة من كلمات الأغنية فنبحث عنها ونجدها مرة ثانية. لدينا قوائم تساعدنا للوصول إلى ما نريد فوراً، روابط مخزونة في المتصفح، وفيديوهات قمنا بالإعجاب بها. وفي أحسن الأحوال، هناك دفتر ملاحظات الكتروني أيضاً يضم بعض الروابط الهامة جداً. في أول المحاضرات بدراستي لهندسة البرمجيات عرفت أن الذاكرة الحاسوبية تعمل عبر المؤشرات، الكثير من العناوين والمؤشرات لعناوين أخرى ثم لعناوين أخرى حتى يصل الحاسوب بسرعة فائقة للبيانات المطلوبة. لكن تدريجياً أصبحنا نشعر أننا نعمل بنفس الطريقة، وأننا لكي نعلم شيئاً أحياناً فإننا لا نحتاج لإن نعلمه كلياً، بل نحتاج مؤشراً إلى موقعه على الانترنت لكي نشاركه لمن نريد. شخصياً كنت من جيل انتقل فيه من الاستخدام الاعتيادي للحاسوب دون انترنت، ثم مع اتصال انترنت بطيء جداً ومن ثم نحو ثورة الانترنت السريع والهواتف المحمولة، وأثناء ذلك تغير عملي ودراستي ومررت بأحوال عديدة في الحياة، لكنني كنت أشعر أن ذاكرتي أصبحت اسوء. لقد حان الوقت لطرح السؤال على البحوث العلمية المتوفرة: هل يساهم البحث على الإنترنت خصوصاً وثورة المعلومات عموماً في تغيير نمط ذاكرتنا؟ دراسة الباحثة بيتسي سبارو (Betsy Sparrow) من جامعة كولومبيا تتضمن الإجابة المثالية حول سؤالنا، عنوان الدراسة هو "آثار جوجل على ذاكرتنا: العواقب الادراكية لامتلاك المعلومات على أطراف اصابعنا" وهي تعني بذلك امتلاك المعلومات من خلال البحث السريع على الانترنت. تتكون الدراسة من أربعة تجارب حول أنماط تذكر المعلومات وتأثير البحث عليها. في التجربة الثانية من الدراسة عرضت على المشاركين مجموعة من المعلومات مع إمكانية أن يبحثوا عنها لاحقاً، والفئة الثانية دون إمكانية البحث عنها لاحقاً. وقد لوحظ أن استعادة المعلومات وتذكرها في الفئة التي تم إخبار المشاركين بأنهم سيستطيعون البحث عنها كانت اسوء. المخيف في الأمر ما ذكرته الباحثة في الدراسة وهو أن المشاركين لن يستطيعوا استعادة المعلومات بنفس الكفاءة بغض النظر عما إذا كانوا يعلمون أو لا يعلمون أنهم سيتم امتحانهم بها لاحقاً! أي أن ذلك قد يؤثر على نمط الدراسة للامتحانات بشكل كبير. في لقاءها مع قناة بي بي اس (PBS) تقول سبارو: "عندما لا يعلم الأشخاص شيئاً، فإنهم يفكرون بالحاسوب أولاً كمكان لإيجاد المعلومات، وعندما يعتقد الأشخاص بأن لديهم الامكانية للوصول الى المعلومات لاحقاً، فهم لا يتذكرون المعلومات جيداً مثلما لو كانوا يتصورون أنهم لن يصلوا إلى المعلومات. في الحالة الأولى فهم يقومون بتعيين موضع المعلومات خارجياً بدل من تعيينها داخلياً." وتضيف سبارو "يميل الأشخاص الى إعطاء أولوية لمكان إيجاد الشيء بدلاً من الشيء ذاته". تعرف سبارو في اللقاء ذاته ما تسميه "الذاكرة التبادلية" (Transactive memory) وتقول أننا نميل لخزن المعلومات خارجياً للأشياء التي لا نعتقد بأننا خبراء بها أو أنها ليست أساسية بالنسبة الينا. وتشبه الأمر تاريخياً باعتماد البشر على معلومات أشخاص آخرين محيطين بهم، أشخاص في العمل أو المنزل نسألهم حول الأشياء عندما لا نعرفها، غير أننا لا نكون مهتمين بترميز المعلومات داخلياً في عقولنا. هل هذا يعني أننا أقل ذكاءاً الآن؟ ليس بالضرورة، كما تجيب سبارو في لقاء آخر تجريه معها جامعتها، إذ تقول أن الأمر لا يرتبط بذكائنا بالضرورة. نضيف لذلك، إن الاعتماد الأكبر على نتائج البحث قد يشير إلى قدرة أخرى متميزة في الذاكرة العاملة لدينا، الأمر ما يستنتجه الباحث جاكيك جويزدكا (Jacek Gwizdka) من جامعة تيكساس في بحثه المنشور عام 2017، إذ يخلص إلى أن الأشخاص الذين لهم معدل أعلى في الذاكرة العاملة يميلون إلى القيام بعمليات البحث على الانترنت بشكل أكثر كثافة. فلعلنا نستعيض عن التعيين الداخلي للمعلومات بالمزيد من التعيين الخارجي للمعلومات – الذي تشير إليه سبارو - مما يجعلنا نغطي نطاقاً أوسع من المعلومات. بيتسي سبارو ترى اليزابيث مارش (Elizabeth J.Marsh) الذاكرة التبادلية كميزة وتسميه التوسيع الرقمي للعقل، مُتطرِقة إلى الكثير من الأمثلة في توسيع الذاكرة بالاعتماد على زملاء العمل والى الكفاءة الناتجة عن ذلك من عمل المتخصصين سوية، وفي هذه الحالة فإن للأنترنت فوائد أكبر بكثير من زملاء العمل. لكنها في الوقت نفسه تلفت النظر إلى بعض ما يثير القلق، مثلاً، كيف ستتغير طريقتنا بالتعامل مع المعلومات بشكل عام، قراءة الصحف مثلاً تختلف عن قراءة المقالات على الانترنت. أيضاً، هل ستصبح قراءتنا للمعلومات أكثر سطحية؟ ومع كل المعلومات المضللة في الانترنت، كيف سيؤثر ذلك علينا؟ في النهاية لا نستطيع الحكم بشكل قطعي حول سلبية ما نفعله من توسيع لذاكرتنا نحو روابط خارجية أو حول سلبية الذاكرة التبادلية بشكل عام. كما لا يمكن أن نصفه بأنه ضعف في الذاكرة، فللأمر إيجابيات، وقد يبدو أننا نتكيف مع ثورة المعلومات بأن نوسع نطاق معلوماتنا بهذا الشكل. لكن ايضاً، فإن الدراسات لم تزل في مهدها لتغطية جميع جوانب الإدراك وتأثرها بثورة المعلومات، إذ لا يقتصر الأمر على الذاكرة. المصادر: Sparrow, Betsy, Jenny Liu, and Daniel M. Wegner. "Google effects on memory: Cognitive consequences of having information at our fingertips." science 333.6043 (2011): 776-778. Google's Effects on Memory, PBS NEWSHOUR, 07/14/2011 Memory Works Differently in the Age of Google, ColumbiaNews, YouTube, 15 Jul 2011 Marsh, Elizabeth J., and Suparna Rajaram. "The digital expansion of the mind: Implications of internet usage for memory and cognition." Journal of Applied Research in Memory and Cognition (2019).
ما هو شعور الموت؟30 Jan 201800:22:00
** تنبيه! قد يحتوي هذا المقال على مشاهد ومعلومات لا تناسب فئة الأطفال. كلنا سوف نموت. هذه حقيقة مطلقة لا تحتاج إلى مساءلة. قد يموت بعضنا مبكرا بعد معاناة مع التهاب الرئة أو مرض عصبي نادر، أو متأخرا بسبب جلطة دماغية أو سكتة قلبية. يوجد بيننا معمِّرون يتجاوزون المائة سنة، لكن الجميع سينتهي تلك النهاية المؤلمة ويتلاشى. لقد حيَّر لغز الموت أسلافنا لملايين السنين. "لماذا نموت؟ ماذا بعد الموت؟ كيف نؤخر موتنا قدر المستطاع؟" هذه كانت بعض أسئلتهم. الآن، بعد أن قيل الكثير عن الموت، لم يزل أحد الأسئلة غير مجاب، أو –بالأحرى– غير قابل للإجابة: ما هو شعور الموت؟ يبدو بديهيا أن الموت لا شعور له! فالجسد الميت لا يشعر. لكن ماذا عن الجسد الذي يموت؛ أي يعيش تجربة الموت؟ الإجابة صعبة فالذين يموتون الآن سيموتون بعد حين ولن نحصل منهم على إجابة شافية، أيضا لا أحد قد يجرؤ ويسأل مريضا يموت "كيف هو شعور الموت؟" بدلا من التعاطف معه. في هذا المقال، سنحاول الاقتراب من تجربة الموت، أو بتعبير أدق تجربة ما قبل الموت. كيف ستشعر لو أصبت برصاصة أو طُعِنت بسكين؟ ما هو شعور أن تُقطع عنقك بسيف مصقول جيدا؟ ما هو شعور الموت غرقا؟ أو حرقا؟ أو خنقا؟ وكما هو متوقَّع، تندر الأبحاث العلمية التي تتناول مثل هذه الموضوعات، لذا سنعتمد بشكل أساسي على التجارب الشخصية للناجين من الموت بأشكال مختلفة. قد تصدق هذه التجارب أو تكون وهمية ومتخيلة نظرا لخلل الذاكرة الذي قد يتلو مثل هذا النوع من الحوادث أو التحيزات الشخصية، لكن على الأقل قد تغير نظرتنا حول الموت.   ما هو شعور الإصابة برصاصة؟ لا أحد يود أن يصاب برصاصة. كل أبطال الأفلام يرمون مسدساتهم ويرفعون أيديهم ويجثون على ركبهم عندما يوجه أحدٌ مسدسا إليهم. إلى الآن، تُعد المسدسات اليدوية (handguns) أكثر أدوات القتل استعمالا في أميركا، متسببة في مقتل قرابة 7105 ضحية. يصل العدد إلى 11004 إذا أضفنا ضحايا المسدسات اليدوية إلى ضحايا الأسلحة النارية الأخرى(1). فكيف هو شعور أن تخترق رصاصةٌ أجسامنا؟ ماتت ديبورا كوتون (Deborah Cotton) إثر مضاعفات طلق ناري تلقته بينما كانت تصور تقريرا إعلاميا في عيد الأم عام 2013(2). حدث كل شيء في ولاية نيو أورليانز، حيث سُمع إطلاق الرصاص في وسط الحشود المحتفلة وأصيب 19 شخصا، كانت ديبورا واحدة منهم. تصف ديبورا تجربة الإصابة برصاصة كالتالي: "ما يثير العجب أن الرصاصة عندما أصابتني لم أشعر بشيء! لا شيء إطلاقا، وهذا ما صدمني. أذكر أنها كانت أشبه بأن يرميني أحدهم بحصاة صغيرة..." لم تدرك ديبورا أن رصاصة اخترقت جسدها إذ تقول: "بالنظر إلى الأحداث التي كانت تجري حولي؛ الناس يصيحون ويركضون، وصوت الرصاص يدوِّي في الشوارع، لم يكن لدي سبب لأعتقد أن حصاة صغيرة شاردة من الرصيف هي سبب صدمتي. ثم بتردد توقعت أنني يجب أن أكون أصبت برصاصة." لعلكم تشعرون بالدهشة الآن كما أشعر أنا. بالفعل، لا أحد يشعر بالرصاصة تخترق جسده وتحدث ألما فظيعا، لكننا جميعا نخاف المسدسات وتتسارع نبضاتنا وأنفاسنا ونتعرق، بل نتجمد في أماكننا حينما نسمع دويَّ الرصاص بالقرب منا. أن تصاب برصاصة يعني ألا تشعر بشيء، على الأقل لحظة الإصابة. إن ما نخاف منه ليس هو ألم الرصاصة بل ما يمكن أن تحدثه فينا من الإصابات الطفيفة إلى الموت. هذه قصة أخرى يروي كاتبها الذي لم يزل حيا بعدما أصيب بطلقة نارية في فخذه: "لم أشعر بشيء في الواقع إذ كان جسدي مغمورا بالأدرينالين حتى سألني المُسعف إن كان أحدهم ضربني، عندها استرخى جسدي قليلا وبلل الدم سروالي... وشعرت بالألم يقيد حركتي."(3) تذكروا أننا نتكلم عن تجربة الموت لا عن تجربة الإصابة برصاصة طائشة. إذا بقي المصاب حيا سيشعر بالألم فيما بعد بلا شك كما قرأنا قبل قليل، لكنه إن مات فالأرجح أن آخر شعور ذاقه في الحياة هو الخوف، أو –ربما– الفرح إن كان قُتِل في مناسبة سعيدة!   التفسير العلمي يستطيع الباحثون أن يحسبوا سرعة الرصاصة المنطلقة وتقييم الحالة الطبية وعلاجها لكنهم لا يستطيعون حشد مجموعة من الناس لإطلاق النار عليهم في تجربة علمية هادئة. لكن على كل حال، تبدوا روايات الناجين من الحروب وحوادث إطلاق النار معقولة. يمكن تفسير "عدم الشعور بشيء" إثر تلقي رصاصة من عدة جوانب؛ أهمها ميكانيكا الرصاصة وفسيولوجيا الجسد. تختلف سرعة الرصاصة المبدئية (أي لحظة انطلاقها من فوهة السلاح الناري) بين أنواع الأسلحة، يذكر أحد المراجع أن رصاصات بعض الأسلحة تنطق مبدئيا بسرعة 1200 مترا/ثانية أو 1500 مترا/ثانية في بعض الأسلحة الكبيرة(4). جزء من الألم الذي نتخيله إذا افترضنا أن رصاصة أصابتنا أو شاهدنا مشهد إصابة في أحد الأفلام هو أن أدمغتنا تحلل الطلق الناري بسرعة تتناسب مع قدراتها على الاستيعاب؛ أي أننا نتخيل الرصاصة تلامس أجسادنا ببطء، وهذا عكس الواقع، فهي تخترقها بسرعة يصعب تخيلها. يحدث أحيانا أن تكون الأشياء من حولنا فوضوية جدا، في مطاردةٍ مثلا أو محاولة لإطفاء حريق منزلي فنعيش الحدث بتفاصيله الأهم ويتنازل جهازنا العصبي عن التفاصيل الأقل أهمية كالشعور بالألم. كما تعلمون، أجسادنا مصممة لتجنب الموت، فلو أن الشعور بالألم سيبطئ من سرعة فرارها أو دفاعها ستموت حتما، وهنا يكمن منطق انعدام الشعور بالرصاصة إلى حين آخر، عندما نكون في مأمن كما قرأنا في القصة الأخيرة، إذ لم يشعر المصاب بألم الإصابة إلا بعد وصوله إلى المستشفى. ماذا عن استجابة أجسادنا للطلق الناري؟ مزيج من الخوف وارتفاع ضغط الدم ونبضات القلب هو ما يميِّز جهازنا العصبي اللاإرادي السمباثي (Sympathetic Nervous System) الذي يُنشَّط تلقائيا في حالات كالإصابة بطلق ناري. يرتفع مستوى الأدرينالين الذي يؤدي إلى توسع بؤبؤ العين لزيادة الانتباه، ويشتت انتباهنا للحاجة إلى التبوُّل والأكل والشرب (ليس هذا الوقت الأنسب للرفاهية!) ويقبض أوعيتنا الدموية في محاولة لتحويل الدم من الأطراف إلى مركز الجسم لحماية الأنسجة الحيوية من الموت (لذا نشعر ببرودة في أطرافنا عند الصدمة)...إلخ. الشعور بالألم جزء من استجابتنا للطلق الناري، لكننا لا نشعر به فورا عندما يتعلق الأمر برصاصة تخترقنا، فنحن بحاجة إلى الفرار أو المقاومة (Fight or flight response)(5).   ما هو شعور الطعن بآلة حادة؟ الأسلحة الحادة هي ثاني أكثر الأدوات استعمالا للقتل في أميركا، متسببة في مقتل قرابة 1604 ضحية في 2016(1). بخلاف الإصابة برصاصة، يمكنكم تخيل أن الطعن بآلة حادة أكثر إيلاما. ربما، لكن الناجين من حوادث الطعن لهم آراء مختلفة. يصف أحدهم تلقيه طعنة بسكين حاد قائلا: "شعور أشبه بالوخز. لا يمكنك إدراك أنك طُعِنت حتى ترى الدم يسيل منك." ويقول آخر: "تلقيت طعنة في وجهي بقلم رصاص. في البداية لم أشعر بشيء سوى شعور الضغط. ثم فيما بعد عندما رأيت الدم يسيل من فكِّي شعرت بالغضب الذي طغى على أي شعور بالألم مررت به لحظتها. وبعد دقيقتين بدأت أشعر بالألم الذي لم يكن كافيا ليجعلني أبكي."(6) ربما طعنة واحدة ستبدو أشبه بالوخز أو الضغط، لكن ماذا لو تلقى أحد منا 31 طعنة في كامل الجسد؟ هذا ما سترويه لنا امرأة أسترالية تُعرف بـ "إليزابيث". في 2002، وفي هجوم مسعور تلقت إليزابيث 31 طعنة من معتدٍ غريب في منزلها. شعرت إليزابيث في البداية بالوخز. تقول: "لم أفهم لمَ يقوم بوخزي..." ثم شعرت بـ "ريح باردة تغمر جسدي." ضحية أخرى تصف شعور تلقيها طعنة بسكين في ظهرها من عشيقها المخمور بأنها كانت "مثل وخزة شديدة" ثم لما أحست بالألم شعرت بالحرارة وارتمت على الأرضية(7). عاملٌ آخر يؤيد روايات هؤلاء الضحايا هو أننا غالبا نعيش تجربة الطعن أو الإصابة برصاصة لأول مرة، حيث نكون غير مهيئين ولا نحمل أي ذكرى مسبقة لمثل هذه التجارب. هل تذكرون أول مرة لمستم فيها إناءً على النار أو ارتشفتم رشفة مؤلمة من كأس شاي حار؟ بالكاد تذكرون أنها كانت مؤلمة، صحيح؟ فقط تشعرون بانسحاب لا إرادي سريع، ترمون الإناء أو تقذفون الرشفة من أفواهكم ثم يزعجكم ألم طفيف في الأيام التالية. لعل الطعن بآلة حادة يتسبب في شعور مشابه، وهذا يعود إلى عامل الغرابة كما يصفه أحد الضحايا بعد تلقيه 13 طعنة قائلا أن الألم جعله يشعر بأنه "مثل الغريب في ظل ما كان يحدث."(7) العوامل الأخرى التي تفسر هذا الشعور الذي لا يتناسب مع عدد وشدة الطعنات لا تزيد أو تقل عما ذكرناه في الجزء السابق. ما هو شعور الموت اختناقا؟ يعد الموت اختناقا نادرا مقارنة بالموت برصاصة أو في حادث سير. في أميركا، مات قرابة 98 شخصا مخنوقين في 2016(1). قد تكون تجربة الموت بالاختناق الأقل رعبا بين أشكال الموت الكثيرة، فهي لا تتضمن اختراقا مؤلما للجسد أو أي شكل من أشكال الضرب. يمكن تخيُّل الأمر كالتالي: يحكم القاتل قبضته حول عنقك، يسد مجرى الدم من القلب إلى الشريان السُّباتي (carotid artery) متسببا في حرمان الدماغ من الأوكسجين لمدة كافية لقتلك؛ قرابة 6 دقائق(7). في البداية تقاوم، يكون جسدك في أقوى حالاته، تدفع المعتدي بعيدا عنك، تحاول طلب المساعدة، ثم يبدأ جسدك بالاسترخاء (الدماغ الذي يقبض العضلات ويبسطها لا يستقبل كما كافيا من الأوكسيجين!)، ثم تغفو في غيبوبة. تروي إحدى الناجيات من الموت بالاختناق قصتها كالتالي: "... ثم ربض فوقي ولف يديه حول رقبتي بشدة. أتذكر أنني كنت أقاوم وأصارع لأتنفس، ثم شعرت بجسدي يسترخي وشعرت بالهدوء والأمان متوقعة أنني سأفقد وعيي ثم أموت.. حينها أرخى قبضته فرحتُ ألهث وأسعل بعنف. عانيت من ألم الحلق لعدة أيام."(8) لو أن تلك السيدة ماتت بسبب الاختناق، لما شعرت بشيء، فالشعور عملية حيوية مرهونة ببقائنا أحياء، وبعد كل شيء، الموت ليس شعورا، بل هو نهاية كل شعور، وهذا ما يخيفنا، لا الطريقة التي سوف نموت بها. في الواقع، يمكننا جميعا تجربة بداية الاختناق! أذكر أنني كنت أتبارى مع صديق لي أيُّنا يستطيع كتم أنفاسه أكثر من الآخر، كان ذلك –للسخرية– في محاضرات الجهاز التنفسي. كنا نستطيع المقاومة إراديا حتى الدقيقتين ثم تلقائيا ندخل في حالة من اللهاث ولذة الحياة. في بعض الأحيان، عندما كنت أبالغ في الصمود كانت يداي وقدماي تضطرب ورأسي يتحرك كما لو كنت أختنق رغما عني. قد نرى الموت أمامنا أطول مما نفعل لو متنا بفعل رصاصة تقف مباشرة في جذع الدماغ، لكن الموت بالاختناق لا يتضمن الكثير من الألم، بل الكثير من الفزع. ما هو شعور الموت غرقا؟ بديهيا، يشبه شعور الاختناق، إلا أنك لن تقاوم قاتلا بعينه، بل ستقاوم الماء. عندما يدرك الغارق أنه لا يستطيع الصعود للأعلى لاستنشاق الأوكسجين، يمر بحالة من الفزع الشديد فينتصب جسده وتنشد عضلاته ويبدأ بالتحرك للأعلى "كأنما يتسلق سُلَّما متخيَّلًا داخل الماء." وجدت الدراسات التي أجرتها فرق الإسعاف في نيويورك أن هذه المرحلة من الغرق لا تتجاوز 20 إلى 60 ثانية(10). ما هو شعور أن تحترق؟ عندما يتعلق الأمر باحتراق الجسد ببطء حتى الموت، فإن هذه هي الطريقة الوحيدة التي لا أود أن أموت بها. تتنوع الحروق بحسب المادة الحارقة، فهناك حروق كيميائية وكهربائية وحروق باللهب. الاحتراق بسبب تيار كهربائي قاتل ليس مؤلما، لا يحتاج هذا الادعاء إلى شهادة أحد الناجين من إصابات الالتماس الكهربائي، فبمجرد مرور تيار كهربائي بشدة عالية عبر الجسد، يخرُّ المصاب مغمى عليه أو ميتا بسبب عدم انتظام نبضات القلب (arrhythmia) في الغالب(10). تتعدد درجات الاحتراق باللهب؛ فهناك حروق الدرجة الأولى (معظمنا تقريبا جرب هذا النوع من الحروق، وهو غير قاتل)، وحروق الدرجة الثانية والثالثة والرابعة. يشمل حرق الدرجة الثانية طبقة الجلد القشرية  أو الأدمة (epidermis) وجزءا من الطبقة التي تحتها (dermis) وينتج عنها احمرار ونفطات (بثرات) وقد يكون مكان الحرق منتفخا ومؤلما. أما حرق الدرجة الثالثة فيشمل جميع طبقات الجلد وقد يصل إلى الطبقة الدهنية تحت الجلد مدمِّرا كل مكونات الجلد وقد يمتد إلى النهايات العصبية، ومن هنا قد لا يمكن الإحساس بجميع أنواع الإحساس في المنطقة المحروقة بما فيها الألم....
© My Podcast Data · Projet indépendant · Données issues d'Apple & Spotify